ثامر الشهراني
لم يعد العالم يُدار من مركز واحد، ولا تتحرك توازناته وفق قواعد مستقرة. ما يجري اليوم هو انتقال هادئ نحو بنية دولية جديدة، تتراجع فيها فكرة الهيمنة المنفردة، وتتقدم فيها ملامح تعددية لم تكتمل مراكزها بعد، باتجاه قدر أكبر من التوازن وإعادة توزيع النفوذ بصورة أكثر عدلاً بين القوى الدولية.
في هذا التحول، لم تعد بكين مجرد عاصمة لقوة صاعدة، بل أصبحت جزءاً من معادلة النظام الدولي ذاته. فالتفاعلات التي تدور داخلها تعكس اتجاهات أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة، لا مجرد علاقات ثنائية منفصلة.
الصين تتحرك ضمن مساحة دقيقة تجمع بين الانفتاح على القوى الكبرى وعدم الانخراط في اصطفافات حادة. هذا التموضع يعكس انتقالاً في طبيعة الدور من الانحياز إلى إدارة التوازنات.
على هذا الأساس، جاء لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الروسي فلاديمير بوتين. ورغم اعتياديته من حيث الشكل، إلا أنه يعكس استمرار تقاطع إستراتيجي يتجاوز اللحظة السياسية، نحو علاقة تُدار ضمن نظام دولي يتجه نحو التعدد لا المركزية.
روسيا تتحرك تحت ضغط غربي دفعها إلى تعزيز مسارها شرقاً، فيما تدير الصين توسعها العالمي بحسابات دقيقة تمنعها من الانخراط في مواجهة مباشرة مع الغرب. وبين المسارين يتشكل تقاطع مصالح لا يصل إلى مستوى التحالف، بقدر ما يعكس إدارة مشتركة لتوازنات آخذة في التشكل.
حتى زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين جاءت في سياق اختبار متبادل لموقع الصين داخل منظومة القوى الكبرى، وقدرتها على إدارة التوازن بين الأطراف الفاعلة دون الانحياز الكامل لأي منها.
في الشرق الأوسط، تتجلى هذه التحولات بصورة أوضح. فالمنطقة لم تعد ساحة نفوذ تقليدية، بل أصبحت جزءاً من بنية النظام الدولي، خصوصاً في ملفات الطاقة والأمن والممرات الإستراتيجية.
التصعيد مع إيران وما تلاه من محاولات احتواء أو تأجيل للمواجهة يعكس مرحلة تُدار فيها الأزمات عبر تعدد مراكز التأثير، لا عبر مركز واحد حاسم. حيث تتقاطع حسابات واشنطن وبكين وموسكو، مع حضور خليجي أكثر فاعلية في إدارة مسارات التهدئة ومنع توسع المواجهة.
هذا الحضور الخليجي يعكس انتقالاً في موقع المنطقة داخل النظام الدولي، من موقع المتأثر إلى موقع المشارك في صياغة التوازنات.
اقتصادياً، لا تعمل بكين وموسكو على بناء بديل مكتمل للنظام الغربي، بقدر ما تعملان على إعادة توزيع مركزه وتقليص هيمنته. وتبرز هنا «منظمة شنغهاي للتعاون» إلى جانب تكتل «بريكس» كأطر تعيد تنظيم مسارات النفوذ خارج الاحتكار التقليدي، دون إنتاج نظام مغلق بديل.
ومشروع «قوة سيبيريا» يعكس هذا الاتجاه، باعتباره إعادة توجيه لمسارات الطاقة والنفوذ من الممرات البحرية الحساسة إلى مسارات برية أكثر استقراراً وأقل عرضة للضغط الجيوسياسي.
في الملفات السيادية، تتبادل موسكو وبكين الأدوار ضمن توازن محسوب. روسيا تتمسك بمبدأ «الصين الواحدة»، فيما توفر بكين غطاءً دبلوماسياً يمنع عزل موسكو دولياً، ضمن نمط من التفاهمات غير المعلنة داخل نظام دولي قيد التشكل.
أما الملف الإيراني، فيعكس طبيعة المرحلة: لا حسم نهائي ولا تسوية مستقرة، بل إدارة مستمرة لتوازنات تتغير بتغير اللحظة السياسية.
لكن جوهر التحول لا يرتبط بالتفاصيل، بل بالبنية العامة للنظام الدولي. فالعالم لا يتجه نحو قطب جديد بقدر ما يبتعد عن فكرة المركز الواحد، باتجاه نظام أكثر تعددية يسعى إلى قدر أكبر من التوازن وإعادة توزيع النفوذ بصورة أكثر عدلاً بين القوى الدولية.
في هذا السياق، لا تبدو المرحلة الحالية مرحلة هيمنة بديلة، بل مرحلة تعددية في طور التشكل، تتقاطع فيها القوى أكثر مما تهيمن، وتُدار فيها الأزمات أكثر مما تُحسم.
وفي امتداد هذا المسار، تبدو بكين أكثر من مجرد لاعب دولي، بل مرآة لمرحلة يُعاد فيها تعريف مفهوم القوة: من السيطرة إلى إدارة التوازن، ومن التفوق إلى التوازنات المتداخلة.
ولعل عبارة «لسنا أصدقاء ضد أحد» ليست مجرد توصيف لعلاقة ثنائية، بل خلاصة لمرحلة دولية كاملة تُعاد هندستها بهدوء، دون مركز واحد، ودون يقين نهائي، ودون رواية قادرة على احتوائها بالكامل.