وائل العتيبي - الدرعية:
في خضم التحول الثقافي المتسارع الذي تعيشه المملكة، يطلّ متحف الفن المعاصر السعودي «ساموكا» (Saudi Museum of Contemporary Art) كمؤسسة تتجاوز حدود كونه مساحة عرض. هو مشروع ثقافي متكامل يعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والفن المعاصر، ويضعه في قلب الحوار الثقافي محلياً وعالمياً في آنٍ واحد.
من الدعم إلى البنية: ولادة في سياق عالمي
جاء افتتاحه عام 2023 بإشراف وزارة الثقافة ليعلن انتقالاً واضحاً من مرحلة «دعم الفنون» إلى مرحلة «بناء بنية تحتية ثقافية متكاملة». ولم يُقدَّم منذ لحظته الأولى كمشروع محلي محدود، بل كمنصة منخرطة في الحراك العالمي للفن المعاصر. تجلّى ذلك في انطلاق أولى معارضه ضمن سياق دولي مرتبط ببينالي أمريكا الجنوبية الدولي للفن المعاصر، ما وضعه منذ البداية في قلب المشهد العالمي، لا على هامشه.
ملء الفراغ المؤسسي وإنتاج الأسئلة
تكمن أهمية ساموكا في أنه جاء ليملأ فراغاً مؤسسياً محورياً في المشهد الثقافي السعودي، عبر تخصيص فضاء رسمي للفن المعاصر بكل أشكاله: من الأعمال التركيبية (Installations) إلى الفيديو آرت والفن المفاهيمي والتجارب البصرية التي تتجاوز حدود اللوحة التقليدية.
لكن ما يميزه جوهرياً أنه لا يُقدَّم كمتحف «للعرض» فحسب، بل كمكان لإنتاج الأسئلة وإعادة تعريف معنى الفن ذاته في مجتمع يتغير بوتيرة سريعة. فالفن المعاصر داخل ساموكا لا يُقدَّم كمنتج جمالي مكتمل المعنى، بل كلغة للتفكير ومساحات مفتوحة للتأويل. يدفع الزائر إلى التوقف أمام مفاهيم مثل المدينة، والهوية، والذاكرة، والتحول الاجتماعي. وبهذا، تتحول التجربة داخل المتحف إلى تجربة إدراكية بقدر ما هي بصرية، حيث لا يُطلب من الزائر أن يكتفي بـ «فهم» العمل، بل أن يتفاعل معه ويعيد التفكير في علاقته بالعالم، ليتحول من متلقٍ إلى مشارك فعلي في إنتاج المعنى.
الفن كأداة فكرية لا كنتاج بصري
من هذا التصور، يتضح أن ساموكا يتعامل مع الفن المعاصر باعتباره أداة فكرية أكثر من كونه نتاجاً بصرياً. ينعكس ذلك في طبيعة الأعمال المعروضة التي تفتح المجال أمام التجريب والتأمل وإعادة القراءة: سواء عبر تركيبات ضخمة تتعامل مع الفراغ كعنصر أساسي في بناء المعنى، أو عبر فيديو آرت يعيد تفكيك تفاصيل الحياة اليومية، أو أعمال مفاهيمية تطرح أسئلة حول المدينة والاستهلاك والذاكرة، إضافة إلى تجارب بصرية لا تعتمد على الفهم السريع بقدر ما تدفع إلى التأمل وإعادة التفكير. وهنا يصبح المتحف بيئة تُحوِّل الزائر من متلقٍ سلبي إلى جزء من التجربة ذاتها، ومن مشاهد إلى عنصر داخل بنية المعنى.
مختبر ثقافي لإعادة تشكيل البنية
تكمن الأهمية الأعمق لساموكا في دوره كمنصة لإعادة تشكيل البنية الثقافية داخل المملكة. لا يقتصر على عرض أعمال فنانين محليين وعالميين، بل يفتح المجال أمام الفنانين السعوديين لتجريب أشكال جديدة من التعبير قد لا تجد لها مساحة في السياقات التقليدية. هذا الدور الإنتاجي يجعله أقرب إلى «مختبر ثقافي» منه إلى متحف كلاسيكي، حيث تُختبر اللغة البصرية السعودية المعاصرة وتُصاغ داخل بيئة تفاعلية تربط المحلي بالعالمي دون أن تذيب خصوصيته.
ضمن هذا الإطار، يصبح ساموكا جزءاً من تحول أوسع في السياسة الثقافية السعودية، حيث لم تعد الفنون تُعامل كأنشطة هامشية، بل كقطاع مؤثر في تشكيل الهوية الوطنية وتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً. وهذا يعكس اعترافاً رسمياً بأن الفن ليس مجرد إرث يُحفظ، بل ممارسة حية تُنتج وتُعاد صياغتها باستمرار.
مشروع متكامل وبناء جمهور جديد
على مستوى الدور الثقافي المباشر، يمكن النظر إلى ساموكا بوصفه مشروعاً متكاملاً لا يقتصر على العرض، بل يشمل دعم الفنانين السعوديين عبر توفير فرص عرض أعمالهم، وتنظيم ورش فنية، وتقديم برامج إقامة فنية (Residency)، إضافة إلى بناء جسور تواصل مع مؤسسات فنية دولية.
كما يسهم في خلق جمهور جديد للفن المعاصر في مجتمع لم يكن هذا النوع من الفن حاضراً فيه على نطاق واسع سابقاً، وذلك من خلال تبسيط مفاهيم الفن الحديث وإدخال الجمهور في تجربة مباشرة تكسر فكرة «الفن الصعب» أو النخبوي، وتدفع نحو تعميم التجربة الفنية بوصفها جزءاً من الحياة الثقافية اليومية. وفي الوقت ذاته، يشارك في بناء هوية بصرية سعودية جديدة تعكس تحولات المدن والثقافة الشبابية والعلاقة المتجددة بين التراث والحداثة.
ثلاثة تحوّلات في مؤسسة واحدة
في البعد المؤسسي، يمثل ساموكا أحد ثلاثة تحولات كبرى: تحول ثقافي من الفنون التقليدية إلى الفن المفاهيمي والمعاصر، وتحول مؤسسي يتمثل في الاعتراف الرسمي بالفن المعاصر كقطاع ثقافي مستقل عبر وجود متحف متخصص، وتحول دولي يربط المملكة بشبكة المتاحف العالمية للفن المعاصر ويعز حضورها في المشهد الثقافي العالمي. هذه التحولات مجتمعة تضع المتحف في موقع يتجاوز كونه مؤسسة عرض إلى كونه أداة لإعادة تشكيل الذائقة الثقافية العامة.
بين الإشادة والتحدي: انطباعات المشهد
أما على مستوى الانطباعات، فإن التقييمات الإيجابية من المهتمين بالفن والثقافة تركز على اعتباره خطوة متقدمة في بناء بنية تحتية ثقافية حديثة، ونافذة مهمة على الفن المعاصر العالمي، وجسراً يربط الجمهور السعودي بتجارب بصرية وفكرية كانت في السابق بعيدة أو محدودة الوصول. كما يُشاد بدوره في تمكين الفنانين الشباب وإتاحة مساحة لهم ضمن إطار مؤسسي يمنح أعمالهم حضوراً وانتشاراً أوسع.
وفي المقابل، يظهر وعي نقدي يشير إلى أن طبيعة الفن المعاصر قد تبدو معقدة أو غير مباشرة للجمهور العام، ما يضع على المتحف مسؤولية إضافية في التفسير والتأطير الثقافي للأعمال. رغم أن هذا التحدي يُنظر إليه كجزء طبيعي من أي مشروع فني حديث يسعى إلى توسيع الذائقة العامة بدل الاكتفاء بالمألوف.
خاتمة: متحف يفتح الأسئلة لا يغلقها
في النهاية، يمكن فهم ساموكا ليس فقط كمتحف للفن، بل كمشروع ثقافي يعيد تعريف دور المتحف ذاته داخل المجتمع السعودي. فهو لا يكتفي بعرض الفن، بل يدفع الزائر إلى التفكير، ولا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح مساحات للسؤال. ليصبح أحد أهم الأدوات الثقافية التي تسهم في بناء علاقة جديدة بين الإنسان والفن، علاقة أكثر وعياً وانفتاحاً وارتباطاً بالتحولات العميقة التي يعيشها الواقع المعاصر.