د. محمد بن إبراهيم الملحم
نفرح كثيرا عندما نرى أحد الوزراء أو نوابهم الكرام يتجول في الميدان فيزور المواقع التي تقدم وزارته خدماتها فيها ويلتقي بالموظفين أو المواطنين ويسألهم عن مشكلاتهم والصعوبات التي يواجهونها، وهذا الأمر لا يستغرب على وزراء بلدنا الكرام فهو ينطلق من إخلاصهم لبلدهم أولا ومليكهم الذي وضع الثقة فيهم لخدمة المواطنين وتسهيل أمورهم، كما ينطلق أيضا من إيمانهم بالقيم التي زرعها فيهم دينهم وتربيتهم الطيبة في بلدنا الذي يفيض بمثل هذه المثل والمعاني التي قل أن تجدها في مجتمع آخر حيث تسود أغلب المجتمعات المادية والفردية، وينطلق ذلك أيضا من شعور كل منهم بمعاناة المواطن وأنه لابد أن تكون هناك ثغرات تمثل إعاقة أو تعطيلا لمصالحهم وتحتاج أن يتعرف عليها ويقف عليها بنفسه، وهو شعور أخوي ووطني فهذا المسئول ينتمي إلى ذلك المواطن في الهوية والثقافة والاهتمام فقد شربا من نفس الماء وتنفسا ذات الهواء وعاشا الحياة ذاتها بكل ما فيها من مشكلات ومصاعب، الوزير ابن البلد وابن المجتمع وابن الثقافة ذاتها هو من يقدر حاجة إخوانه ومواطنيه فـ»يفزع» لهم ويبادر بخدمتهم بـ«النزول للميدان» وهو تعبير رشيق لحالة رمزية لاهتمام المسئول تمتد من مكتبه إلى المكان العام في الشارع أو المستشفى أو المدرسة أو أي مكان تقدم الوزارة خدماتها فيه، هذه الأماكن باختلاف تسمياتها هي «الميدان» الذي نجد المسئول فيه يثبت اهتمامه ويؤكد رغبته في تحسين الخدمة والارتقاء بها انطلاقا من أصحاب المصلحة الأهم «المستفيد النهائي».
وهناك قضية مهمة جدا أتمنى أن يوليها المسئولون غاية عنايتهم، وهي التحول الرقمي العظيم وغير المسبوق الذي شهدته بلدنا في السنوات الأخيرة والذي حول أعمال كل الوزارات الخدمية تقريبا إلى منصات رقمية ألغت إلى حد بعيد حاجة المواطن إلى الذهاب إلى موقع الوزارة أو الجهة الحكومية أو الشركات الحكومية، وأصبحت شاشته أو جواله هي النافذة التي يطل منها ليحصل على كل احتياجاته. وهذه النافذة نجدها أحيانا تتسبب في صعوبات عسيرة الحل إما بسبب سوء التصميم أو عدم شمولية الخدمة، ولا يدرك ذلك إلا من يقع في أسر هذه الصعوبات والإشكالات ويظل يدور في حلقة مفرغة، وهذه المشكلات بعد رفعها بشكاوى تصل فقط إلى مسئولي التقنية ليحلوها في غضون أيام وربما أسابيع أحيانا ولن يعلم عن ذلك المسئول الأول، وأحيانا لا يقتنعون بطلبات التحسين وتظل المنصة تسير في ذلك الفرع من الخدمة بطريقة عرجاء حتى يقيض الله لها سببا لتتحسن.
ولا شك أن تجربة كبار المسئولين لهذه المنصات بأنفسهم، وبدون مساعدة من أحد، وبنفس السيناريو الذي يعيشه أي مواطن عادي سيكشف لهم نفس ما يكشفه نزولهم للميدان من مشكلات سوف تفاجئهم، فحينما يخلو في مكتبه بشاشة الكمبيوتر ويدخل على منصة وزارته ليرفع شكوى مثلا أو يفتح سجلا تجاريا أو يطلب رخصة محل أو يرفع قضية في محكمة بشروط معينة أو يطلب ترخيص مدرسة أو مركز تدريب... وما إلى ذلك من مختلف الخدمات الحكومية باختلاف الوزارات والجهات فإني أظن أن كثيرا من المسئولين سيجدون بعد عدد من التجارب أن العملية ليست يسيرة وتظهر لديهم إشكالات سيعملون على التفاهم مع زملائهم في الوزارة لحلها.
ولكي يكون حديثي عمليا لا مجرد فرضيات سوف أقدم مثالا لحالتين فقط: الأولى عندما تؤجر عقارا دون عقد من خلال منصة إيجار وإنما بعقد يدوي مستوف شروط التعاقد الشرعية المعروفة من توقيعات وشهود ثم يحدث خلاف وترفع شكوى فإن منصة وزارة العدل تلزمك بعقد من خلال منصة ايجار وإلا فإنك لن تستطيع أبدا رفع قضيتك. وهذا طريق مغلق. الثانية عندما تحاول فتح سجل تجاري جديد فإن ذلك يتطلب حجز اسم تجاري يجب ألا يكون مكررا ، وفي السابق كانت هناك طريقة لاستعراض كل الأسماء التجارية الموجودة حاليا حتى لا تكرر أحدها فيرفض طلبك، ولكن بعد «تطوير منصة الوزارة» لم تعد هذه الوظيفة موجودة ولابد لك أن ترفع في المنصة عددا من الأسماء ثم يأتيك الرد من المنصة هل هي مكررة فيرفضها (وهو المتوقع 90 %) أو هي جديدة تماما فيقبلها! وهو ما يعني تكرار العملية عشرات المرات أو اختيار اسم غريب جدا، وأتمنى أن يدخل المسئول الأول إلى المنصة لإجراء هذه المعاملة ويحاول أن يحجز اسما تجاريا فيرى المعاناة، ثم إذا واجهته الصعوبة (أو أي وزير آخر يجرب مثل هذه التجربة) فأرجو أن يتصل بالمساعدة (سواء كانت هاتفية أو عبر ما يسمى الذكاء الاصطناعي) فسوف يجد عالما آخر أيضا بحاجة إلى الالتفات والعناية، إن هذا هو الميدان اليوم، ولكل مسئول مخلص تحية من القلب.
** **
- مدير عام تعليم سابقا