د. يوسف بن طراد السعدون
وفقاً للروايات، شاهد أحد الولاة أثناء تجواله ثوراً يعبث في الحدائق والبساتين ويخرّب الزرع والرياحين. فأمر بإحضاره، وتم جلده، ثم أمر بقتله. فحاول أحد مستشاريه إقناعه بأنه حيوان لا يفهم، ومن غير المناسب حفاظاً على سمعة الوالي الدولية، قتله. وللخروج من هذا الموقف، التفت المستشار إلى جحا، الذي أتى مهرولاً يتبع ثوره، وسأله هل لديك القدرة على تعليم ثورك احترام النظام؟ فأجاب جحا أنه قادر على أداء المهمة، ولكن بشرط أن يمنح مدة عشر سنوات وقصراً ومالاً وفيراً يعيش به. ووافق الوالي على ذلك، مقابل أنه سيقطع رقبة جحا إذا فشل، فتم تدوين بنود الاتفاق، وتوقيعه. فاستلم جحا القصر والأموال والثور، وأسرع لزوجته يخبرها عن الاتفاق. فقالت له مذعورة: يا أحمق كيف توافق وأنت تدرك ما سيفعله بك الوالي بعد عشر سنوات؟ لأنك سوف تفشل في المهمة، فالثور ثور، ولا يمكن أن يتعلم! فرد عليها، بعد عشر سنوات إما أن يموت: الوالي، أو أنا، أو الثور، فمن منّا هو الأحمق؟
ولو أمعنّا النظر في تلك الحكاية، لوجدنا في ثناياها محاكاة لما تم في بعض مفاوضات واتفاقيات التسويف والمماطلة السياسية، «كاتفاقية أوباما مع إيران»، وهي التسمية الشائعة للاتفاق النووي المُبرم عام 2015، والمعروفة رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). ولكي يتسنى لنا رؤية ذلك الأمر بوضوح، يجدر بنا استيعاب المحاور الأساسية لتلك الحكاية، والمتمثلة في:
أولاً: استند أساس الاتفاقية المبرمة بين الوالي وجحا إلى عنصر الزمن بوصفه وسيلة للمماطلة والتملص من المسؤوليات، ونافذةً للهروب وتفادي تحمل المسؤوليات والتبعات. فالوالي، لا بد أنه أو ربما مستشاره، أدرك أن جهودهم لتغيير سلوك الثور، ودفعه لاحترام النظام والممتلكات، لن تجدي نفعاً، وأنهم تورطوا أمام الجموع في صراعٍ لا نهاية له، سوف يكلفهم السمعة والخسائر. أما صاحب الثور، جحا، سواء أكان راضياً أم معارضاً، لسلوك ثوره، فإنه كان على دراية تامة أنه لن يقدر مطلقاً على تغيير ذلك السلوك أو تقويمه. وفي ظل ذلك، لم يكن غريباً أن تُسفر مفاوضات الأطراف الثلاثة، جحا والمستشار والوالي، في التوصل لتلك الاتفاقية التي استخدمت عنصر الزمن وسيلةً لتسويف الحقائق. ولم يكترث الوالي ولا المستشار ولا جحا بما نبّه إليه الفيلسوف والمبعوث السياسي فرانسوا دو كاليير، مستشار الإمبراطور الفرنسي لويس الرابع عشر، بكتابه «في أسلوب التفاوض مع الملوك» الصادر عام 1716، عندما أورد: «خلافا للرأي الشائع لا يجب تأسيس نجاح المفاوضات بتاتاً على وعود كاذبة أو على التنصل والتملص... فعلى المفاوض أن يعتبر أنه سيعالج أكثر من قضية خلال حياته، وأن من مصلحته ترسيخ سمعته واعتبارها مكسباً حقيقياً لأنها ستيسر عليه فيما بعد إحراز النجاح في مساعيه التفاوضية الأخرى».
ثانيا: إن جوهر القضية التي تتعلق بها الاتفاقية، والمتمثل في ضمان عدم التخريب واحترام النظام، قد أغفلته الاتفاقية تماماً. فالثور حتى لو تم، بالأوهام والخيال، تعليمه احترام النظام وعدم الاعتداء على الممتلكات العامة، فإنه لا يزال يمتلك قروناً قوية يستطيع باستخدامها تخريب ما يشاء إذا عاد إليه المسّ الثوري في أي وقت لاحق. وهذا الأمر على الرغم من أهميته لم يحظ بما يستحقه من اهتمام في بنود الاتفاقية. بل كان حرص المفاوضين والموقعين منصباً على تحقيق وهم البطولات الزائفة، والعدالة المموهة، والكذب والنفاق. وهذا يدل على الجهل والحمق وغياب التعقل لدى جميع من فاوض ووقع تلك الاتفاقية. وقد أشار أبي الفضائل عبدالرحمن بن عبدالله بن نصر الشيزري في كتابه «المنهج المسلوك في سياسة الملوك» الذي ألفه عام 589 هجرية للسلطان صلاح الدين الأيوبي، إلى أن «الجهل من الأخلاق الرديئة، فإن صاحبه لا يعرى من الفضيحة بالأفعال القبيحة، ورأيه ابداً في ضلال، وتدبيره في وبال، يقترن به الزلل ويحيط به الفشل.... وما أعجب بنفسه عاقل، لأن العجب فضل حمق.... وأن العقل لا يُبطل حقاً ولا يحق باطلاً. وأنه كان يقال الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر. فأما العاقل فإن الدين شريعته، والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته. وأما الأحمق فإن تكلم عجل، وإن حدث وهل، وإن اُستنزل عن رأيه نزل. أما الفاجر فإن أمّنته خانك، وإن حدثته شانك، وإن اُستكتم أمراً لم يكتم». وبالتأكيد لم يكن من بين المشاركين بتلك الاتفاقية عاقل، بل كان بينهم أحمق وفاجر.
فيا ترى هل تعلمت الإدارة الأمريكية من دروس مفاوضاتها السابقة مع النظام الإيراني؟ أم ينتهي المطاف بمفاوضاتها الجارية إلى اتفاقية جديدة، على غرار اتفاق «إما أن يموت الوالي، أو أنا، أو الثور»، ثم تحميل الآخرين مسؤولية إخفاقاتها؟ هذا ما سوف تكشفه لنا الأيام القادمة.
خاتمة: من أقوال الشاعر محمد العبدالله القاضي:
شاهدت بالدنيا عبارات وعلوم
وعجايب بأحوال حام وسامي
فكم واحد حده طغى الجهل والزوم
لما شرب بالكره كاس الحمامي
وكم ساري في تايه الراي منجوم
اصبح بضحضاح بعيد المضامي
وكم جاهل يغرا برايه وهو دوم
يخوض في جهله غزير الجمامي
ولا عاد ينفع ميت القلب تعلوم
تاه بعما رايه جليل الرحامي