د.فهد بن منصور الدوسري
بينما العالم تتلاطم على سواحله أمواج الحروب وتتنازعه محاور الاصطفاف ويؤلمه غلاء الأسعار وشح المؤن، وما تبعه من اهتزاز أسواق الطاقة وتوقفِ عمل بعض مطارات المنطقة، وما صاحب ذلك من ضغوط إعلامية وتصريحات مناوئة إلا أن وطني السعودية كان راسخاً هادئا يرتقي صُعُدا في سلم المعالي على عادته يبهر العالم بأعماله الجليلة ومبادراته العظيمة، ففي مطاراته يتم استقبال المرضى وذويهم وإجراء عمليات فصل التوائم السيامية تحت نظر العالم أجمع بمهارة عالية أبهرت الأمم، وفي صفحة مشرقة ثانية من النبل والإيثار تتنازل بلادي عن بعض مطاراتها لأشقائها، وفي قصة أخرى تنطلق القاطرات قادمة من شواطئ البحر الأحمر لتزويد شعوب الخليج باحتياجاته من المؤن.
وفي الحرمين الشريفين يتم استقبال حجاج بيت الله الحرام من جميع أنحاء العالم بالترحيب والورود ومياه زمزم وتستمر العناية بهم في مكة وتسهيل تنقلاتهم في مشاعر الحج، وتدار الحشود المليونية بطريقة سلسة وانسيابية قلَّ مثيلها، مما أكسب وطني السعودية احترام العالم وإعجابهم وتقديرهم.
وفي أرض المشاعر المقدسة تستنفر بلادي طاقاتها الصحية لعلاج المرضى حيث تُجرى لبعض الحجاج العمليات المختلفة على حساب الدولة، فيرجعون بمنحٍ جزيلة فقد أدى بعض الحجاج فرضهم وعاد لهم بصرهم أو عولجت لهم صمامات القلب بعد معاناة طويلة عاناها في بلده.
بعد ما سبق.. يحق لنا أن نفاخر ببلادنا وندعو لها، فإذا كانت محبَّة الإنسان لأرضه وبلده خصلةٌ جبليَّة مركوزة في الفِطَر السويَّة ومقرَّرة في الشريعة الإسلاميَّة فوَطَنُنا السعودية فيه مراتع الطُّفولة وأخبار الصِّبا، نسعد بالانتساب إليه ونُرخِص الروح لأجله، محبَّته تجري في عُروقنا وتخفق بها قلوبنا، ولا غرابة فنحن ننتسب لوطن عظيم، هو مهبط الوحي ومنبع الرسالة وقبلة المسلمين وإليه تتجه أفئدة الناس أجمعين، وبأمجاده نرفع رؤوسنا وبمآثره يعلو صوتنا، هو العُشِّ الكبير الذي وُلِدنا فيه وعلى تُربَتِهِ دَرَجْنا شَمَمْنا هواءَه العليل واستَعذَبْنا نَسِيمَه الجميل، هو البلد الأمين، أرض الأمن والأمان ودوحةُ الحبِّ والسلام.. يحق لنا أن يكسوَ الفخرُ هامتنا لانتسابنا لأطهر بقاع الأرض قاطبة، يحق لنا أن نسعد بوطننا وأن نحمد الله عز وجل على هذا الفضل الذي حبانا الله تعالى إياه، ولن نفرط أبداً في ذرة من ترابه.
ولي وطَنٌ آليتُ ألا أَبيعَهُ
وألاَّ أرى غيري لهُ الدَّهرَ مالِكا
عهِدتُ بِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ ونِعمةً
كنِعْمَةِ قومٍ أصبَحُوا في ظِلالكا
وطني السعودية.. دستوره القرآن والسنة على فهمِ سلف الأمة، وهذا ما صرح به مؤسسُها الملك عبد العزيز رحمه الله يوم قال: (أنا داعيةٌ لعقيدةِ السلف الصالح والتي تقومُ على التمسُّكِ بكتاب الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء عن الخلفاء الراشدين)، وكان رحمه الله يُؤكد في كلِّ مناسبةٍ بأنه سيبقى على ذلك حتى الموت، يقول رحمه الله: (دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دينُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فإِمَّا حياة سعيدة على ذلك وإِمَّا موتة سعيدة).
وطني السعودية.. حباه الله تعالى جنوداً ميامين يقومون بمسؤولياتِهمْ بكفاءةٍ قَلَّ نظيرُها ومهارةٍ عاليةٍ أبهرتْ الشرقَ والغرب يقضُونَ أوقاتَهُم في خدمة الحجاج بأدبٍ جم وتعامُلٍ سامٍ ويسهرون في حراسة الثُّغُور بين ذِكْرٍ لمولاهم وصلاةٍ لخالقهم وقراءةٍ لكتاب ربهم، ثابتين كالطَّودِ العظيم، لا تعصِفُ بِهمْ ريحٌ ولا يحطِمُهمْ موجٌ، يدافعون عن دينهم ويذودون عن وطنٍ عظيمٍ تُرفع فيه رايةُ التوحيد، لا أثَر للشرك ولا آثار للوثنيَّة فيه، رجال مخلصون يبذلون أرواحهم عشقا في الشهادة في سبيل دينهم ووطنهم، ويضحون بالدنيا طمعاً بالآخرة، ولسانُ حالِهم يُردِّد:
هي مَهْبِطُ القُرآنِ تحت لوائِه
سارتْ بعونِ اللهِ تجتازُ المِحَنْ
نشأتْ على هَدْي الإله فرُوحُهَا
تسمو بها وبِروحِها يسمو البَدَنْ
وطني السعودية.. هي الدولة التي ينشغل أبناؤها ببناءِ وطنِهم والذودِ عن مقدَّساتِهم وخدمة ضيوفِ الرحمن وحمايتِهم والسَّهرِ على راحتهم وحمايتهم في صورةٍ بديعةٍ للمواطن السعودي يندر وجودُها.
وطني السعودية.. وطن اللحمة الواحدة والصفوف المتراصة، نراها في صُّورة بديعة من الحبِّ والاجتماع ووحدة الصف، نعبد الله وحده، آمنين في بلادنا أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) سورة العنكبوت.
وطني السعودية.. بلد الرجال الأوفياء والشباب الأتقياء؛ الذين هم نتاجُ عقيدةٍ صافيةٍ وتربيةٍ ساميةٍ وغرسٍ مبارك، هم فرسان الوطن ودرعه المتين، تميزوا في الداخل وتفوقوا على أقرانهم في الخارج تخرَّج من على أرضِ بلادي السعودية وتدرَّب على ثراها الطيب صقورُ الجوّ الميامين، الذين بإيمانِهم أبهرُوا الأمم وبمهاراتِهم العالية حيَّرُوا ساسةَ الدول.
وطني السعودية.. هي الوطن المعطاء التي شاهد العالمُ أبناءه وهم يسارعون لنقل المرضى على طائِراتِ الإخلاءِ الطبي من أماكنَ بعيدة برفقة ذويهم من مختلف أنحاء العالم لإيصالِهم لمستشفيات بلادنا المتطورة؛ لفصلِ التوائمِ السِّيامِية ومعالجة الحالات المستعصية، نُعالجُهم ونرأف بهم ونُكرِمُ وفادَتَهم ونعتني بأحوالهم دون نظرٍ لديانةٍ ولا جنسٍ ولا لون ولا عرق.
وطني السعودية.. نفاخر بصدق ولاتها وتميز علمائها، ونشُمُّ عبَقَ التاريخِ في جَمَالِ رُوحِ أهلِهَا وسُمُوِّ أخْلاقِهِم ونُبْلِ صِفاتِهمْ، فمهما يقولون عن وطني السعودية ومهمَا يصِفُونَها فهي في نظري أجملُ من أوروبا وأنهارها وأمريكا وصناعاتها وبلاد الصين ومبتكراتها.
وطني السعودية.. نعيش حياة الروح في مساجدها، نركع لربنا ونسجد آمنين، ونردد آيات القرآن العظيم وأحاديثَ النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم-، لا نخشى عدواً صائلاً ولا نخاف حاقداً غادراً.
ونَستعْذِبُ الأرضَ التي لا هوا بِهَا
ولا ماؤُهَا عَذْبٌ ولكنَّها وطنُ
وسنبقى ما حيينا محافظين على وحدة وطننا واجتماع صفه وعدم الاستماع لقول الأعداء فيه، وسنسعى لنشْر الخير بين أبنائه ومساندة قيادتنا الرشيدة في محاربة الفساد والمفسدين والمحافظة على نقاء عقيدتنا ووسطية منهجنا.
وطني السعودية.. أوصافه كثيرة ومآثره عظيمة، ويكفي أنَّ به قِبلةَ المسلمين ومسرى رسولِ ربِّ العالمين - صلى الله عليه وسلم.
اعذروني.. على التقصير في حق وطني؛ فما سبق ما هو إلا إلماحة مختصرة يسيرة لوصف وطني المملكة العربية السعودية، حفظها الله وحماها وأدام عزَّها.