الفريق/ سعد بن عبدالله التويجري
أعلنت المملكة العربية السعودية نجاح موسم حج 1447هـ، في إنجاز يتجاوز في دلالته حدود النجاح التنظيمي الموسمي، بعد أن أتم حجاج بيت الله مناسك الحج بانسيابية واستقرار آمن، وهذا الإعلان لا يُقرأ باعتباره خبراً موسمياً اعتيادياً لدى خبراء إدارة الحشود، بل كنتيجة عملية لاختبار سنوي تواجه فيه المملكة العربية السعودية تحديات تشغيلية ولوجستية وصحية وأمنية وتنظيمية تتجاوز في تعقيدها كثيراً من تعقيدات الفعاليات العالمية الكُبرى، بسبب البنية التشغيلية التي تحكمه: زمن ثابت لا يقبل التأجيل، مساحة جغرافية محدودة ذات طبيعة جبلية وعرة، وأودية متشابكة وتضاريس متباينة بين مرتفعات ومنخفضات، ومناخ صحراوي جاف، وتزامن سلوكي إلزامي داخل نطاق حضري شديد الكثافة البشرية في مساحة ضيقة لا تقبل التوسع.
وفقاً للهيئة العامة للإحصاء السعودية وكما أعلنت وكالة الأنباء السعودية «واس» بلغ إجمالي عدد الحُجاج هذا العام «1.707.301» حاج، منهم «1.546.55» حاجاً قدموا من خارج السعودية، و«160.646» حاجاً من الداخل، فيما وصل « 1.485.729» حاجاً عبر المنافذ الجوية وحدها. وهذه الأرقام تعكس شبكة تدفقات لوجستية دولية ضخمة تشمل مئات الدول، ومئات الرحلات الجوية، وآلاف عمليات النقل والإيواء والتفويج التي يجب أن تعمل جميعها ضمن توقيت واحد بالغ الحساسية، وهو ما يعكس الحجم الاستثنائي للتدفقات البشرية الدولية التي تُديرها السعودية ضمن منظومة تشغيلية مركبة التعقيد تشمل التخطيط والتنظيم والأمن والصحة والإنجازات الخدمية واللوجستية في إدارة حركة هذا العدد الهائل من البشر القادمين من أكثر من 150 دولة بلغات مختلفة وعادات متباينة داخل نطاق جغرافي محدود، وفي أوقات محددة وضمن شعائر متزامنة لا تسمح بإعادة جدولة الزمن أو إعادة وتوزيع المكان.
في الأدبيات الخاصة بإدارة الحشود، تُصنف بيئات التجمع مثل «الحج» ضمن فئة التجمعات البشرية عالية الكثافة، وهي فئة تختلف جذرياً عن الفعاليات الرياضية أو الفنية أو السياسية الكُبرى، فمثلاً: الألعاب الأولمبية رغم ضخامتها فهي تمتد لأسابيع وتتوزع على مواقع متعددة، وكأس العالم ينتشر بين مدن وملاعب مختلفة، ومثلها كل تجمع بشري عالي الكثافة قابل للتأجيل أو الانتشار في مواقع متعددة، بينما الحج فيكون فيه تجمع لكثافة بشرية عالية في نطاق جغرافي وزمن محدود، ومسارات متداخلة، وشعائر متزامنة لا تقبل التأخير ولا التأجيل.
لهذا وصفت وكالة -أسوشيتد برس- الحج بأنه أحد أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم وأكثرها حساسية من حيث إدارة الحركة والأمن واللوجستيات.
كما أشارت -رويترز- إلى: «أن إدارة الحج تمثل اختباراً استثنائياً لقدرات التخطيط والتنسيق والتشغيل بسبب تزامن الكثافة البشرية العالية مع محدودية المساحة والزمن».
ولعل ما يلفت الانتباه في موسم حج 1447هـ ليس حجم الحشود فقط، بل طبيعة النتائج التشغيلية الاحترافية على أرض الواقع. فقد كشف وزير الحج والعمرة معالي الدكتور توفيق الربيعة أن أكثر من 60 جهة حكومية شاركت في التخطيط والتنفيذ لمهام وخدمات الحج، وأن ترتيبات وخدمات الحج ليس عملاً موسمياً يبدأ مع وصول الحجاج بل مشروع وطني مستمر على مدار العام.
وفي الجانب الأمني التشغيلي قادت وزارة الداخلية السعودية تحت إشراف وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف، واحدة من أعقد عمليات إدارة الحشود في العالم المعاصر، عبر منظومة متعددة الطبقات جمعت بين الأمن الميداني، والتحكم الرقمي، وإدارة التدفقات البشرية الاستباقية. وقد استفاد أكثر من «388.694» حاجاً من مبادرة طريق «مكة» وهي مبادرة نُفذت عبر «17» مطاراً ومنفذاً دولياً، و»10» دول مختلفة، مدعومة بأكثر من «120» منصة ذكية لإنهاء إجراءات الحجاج قبل وصولهم إلى السعودية. مما يعكس انتقال إدارة الحج من مفهوم الاستجابة للمشكلات بعد حدوثها إلى مفهوم أكثر تطور واحتواء ووقاية ويقوم على إدارة التدفقات البشرية قبل تشكلها بأيد وعقول سعودية، وهو ذات الاتجاه الذي تتبناه اليوم مراكز الأبحاث المتخصصة في إدارة المدن الذكية والأنظمة المعقدة حول العالم.
كما أدارت الوزارة عبر مركز العمليات الأمنية الموحدة (9 mm 11) شبكة واسعة من الخدمات الأمنية والإنسانية بالتزامن مع تنفيذ خطط التفويج وإدارة مسارات المشاة والجمرات والحرم بجهود استثنائية وإنجازات انتهت بفضل الله بإعلان نجاح الخطط الأمنية والتنظيمية وانسيابية الحركة في المشاعر المقدسة.
في الجانب الصحي بلغت المنظومة الصحية مستوى غير مسبوق من الجاهزية والتشغيل الميداني مدعومة ببنية صحية تجاوزت طاقتها الاستيعابية «20» ألف سرير بالإضافة إلى «25» مركز رعاية صحية عاجلة موزعة على المشاعر المقدسة والمناطق المحيطة بها، مدعومة بالمستشفيات الميدانية والخدمات الرقمية، وأعلنت وزارة الصحة نجاح موسم الحج صحياً دون تسجيل تفشيات وبائية أو مهددات للصحة العامة. وأشارت الوزارة إلى تنفيذ «1.47» مليون خدمة وقائية عبر المنافذ المختلفة، و»2.5» مليون خدمة صحية للحجاج، وتقديم خدمات المستشفى الافتراضي لأكثر من «10.430» حاجاً إلى جانب «9.001» استشارة طبية هاتفية، واستقبال أكثر من «27.784» اتصالاً عبر مراكز الاتصال الموحد.
كما أعلنت هيئة الهلال الأحمر السعودي نشر أكثر من «7700» عنصر إسعافي، و»500» نقطة تدخل واستجابة ميدانية داخل المشاعر المقدسة، بالإضافة إلى مئات الفرق الطبية المتخصصة.
بحسب المرجعيات العلمية لمنظمة الصحة العالمية ذات الصلة بطب التجمعات البشرية الكمية تمثل التجمعات البشرية الضخمة بيئات عالية الخطورة فيما يتعلق بانتقال الأمراض والإجهاد الحراري والاستجابة الطارئة، لهذا أصبحت دراسة الحج جزءاً أساسياً من الدراسات البحثية المتعلقة بطب التجمعات الكُبرى وإدارة المخاطر الصحية الجماعية، بل أصبح موسم الحج جزءاً مهماً في المجال الأكاديمي، واصبحت المشاعر المقدسة بيئة بحثية متكررة لدراسة ديناميكيات الحشود وتحليل السلوك الجماعي والتنبؤ بسلوكيات الكثافات البشرية وكيفية إدارتها، وهو ما جعل الإدارة السعودية لفريضة الحج مرجعاً علمياً يتجاوز البعد الديني إلى مجالات علوم الأمن والطب والهندسة وإدارة الظروف مركبة الضغوط والتعقيد.
فعلى سبيل المثال: استندت دراسات منشورة في دوريات محكمة وعلى منصة «arXiv» التابعة لجامعة كورنيل إلى نماذج محاكة متقدمة وخوارزميات ذكاء اصطناعي مستوحاة من بيئات الحج لتحليل ديناميكيات الحشود واكتشاف المؤشرات المبكرة لأي اضطراب حركي قبل تحوله إلى مخاطر ميدانية. كما تُعد أبحاث العالم «Dirk Helbing» أحد أبرز المراجع العلمية والعالمية في علوم إدارة الحشود، وأن البيئات البشرية فائقة الكثافة مثل: الحج، تمثل مختبراً فريداً لفهم ديناميكيات الحركة الجماعية وإدارة المخاطر المرتبطة بها. ولا سيما دراسته «ديناميكيات الكوارث الجماهيرية». وقدم من خلال دراساته البحثية لمواسم الحج مفهوما متقدما في الإدارة الوقائية للحشود. وتُستخدم هذه المفاهيم اليوم في فهم البيئات التشغيلية الصعبة والمعقدة ذات الكثافة المرتفعة بما في ذلك للمشاعر المقدسة.
وجامعات عديدة ومراكز بحثية دولية تتعامل مع مواسم الحج باعتبارها حالة بحثية دراسية متقدمة في إدارة الحشود والأنظمة الحضرية المؤقتة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد تناول باحثون من كلية لندن، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة جونز هوبكنز، موضوعات مرتبطة بالتجمعات البشرية الكُبرى والنمذجة الحاسوبية للحشود، والاستجابة الصحية في البيئات عالية الكثافة، وهي مجالات كثيراً ما يُستشهد فيها بمواسم الحج بوصفه أحد أكثر نماذج الإدارة الواقعية صعوبة وتعقيداً.
واعلامياً حظيت مشاهد تفويج الحجاج لهذا العام بانتشار عالمي واسع، لفت انظار الأفراد إلى المنصات الرقمية، وآثار دهشتهم، ففي منصة «X» كتب رائد الأعمال الأسترالي «ماريو نوفال» معلقاً على مقطع لتفويج الحجاج: (شاهدوا هذا التصوير الزمني المذهل لحشود الحجاج في مكة، السرعة والكفاءة التي يتم بها تحريك مئات الآلاف من الأشخاص لا مثيل لها في أي مكان آخر في العالم).
وأفردت شبكة RT الروسية تقارير عن إدارة الحج ركزت فيها على منظومات المراقبة والتحكم وخطط توزيع كثافة الحشود ومشيدة بمستوى التنظيم الأمني والتشغيلي وإدارة التدفقات البشرية خلال موسم الحج.
وتُظهر تغطيات صحيفة الواشنطن بوست لحج 1447 هـ كيف بات الحج يُنظر إليه عالمياً بوصفه اختبارا مستمرا لقدرات إدارة الحشود يتطلب مستويات استثنائية من التنظيم وإدارة التدفقات البشرية.
وأشاد التلفزيون الإسباني بما أنجزته الدولة السعودية من مشاريع عملاقة في المشاعر المقدسة، وبمستوى التنظيم الذي أظهره السعوديون خلال موسم الحج، معتبراً أن ما يجري في مكة المكرمة يمثل نموذجاً استثنائياً في إدارة الحشود والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
وأظهرت التغطيات المصورة التي بثتها يورونيوز خلال موسم حج 1447هـ مشاهد واسعة لتفويج الحجاج وانسيابية الحركة داخل المشاعر المقدسة، مع بروز البيئة التنظيمية لمسارات المشاة وشبكات النقل التي تُدير تدفقات الحجاج.
إن ما يجمع بين تقارير وسائل الإعلام الدولية وتعليقات الخبراء والدراسات الأكاديمية واندهاش الأفراد ليس الإشادة بموسم ديني ناجح، بل اعتراف ضمني بوجود نموذج إداري وتشغيلي استثنائي يتكرر ويتطور عاما بعد عام في بيئة جغرافية وزمنية يصفها المختصون بأنها من أكثر البيئات صعوبة وتعقيدا ظرفيا مركبا لا يحتمل الخطأ ولا التأجيل، وتعمل عند حدود الضغط البشري القصوى.
ومن هنا تُقدَّم المملكة عالمياً بوصفها دولة خبرة من أكثر التجارب تقدماً في إدارة التجمعات البشرية الكبرى، وتتجه أنظار الباحثين والخبراء ووسائل الإعلام إليها عاماً بعد عام باعتبار إدارتها للحج نموذجاً استثنائياً وفريداً، وبوصفها نموذجاً مرجعياً حياً ومتكاملاً في التخطيط الاستباقي والتنسيق المؤسسي في إدارة الحشود والأنظمة الحضرية المؤقتة، وفي إدارة المخاطر، ويُدرس الحج باعتباره حالة تشغيلية تُختبر فيها قدرة المؤسسات على إدارة التعقيد البشري في أقصى صورة ممكنة. فما يحدث في مكة المكرمة على مدار العام يُرى عالمياً باعتباره نموذجاً متقدماً في إدارة الأنظمة البشرية يجمع بين جاهزية البنية التحتية العملاقة، والتحول الرقمي، والاحتراف التشغيلي، وإدارة المخاطر، والجاهزية الأمنية والصحية، والقيادة الميدانية، والإدارة الخدمية واللوجستية، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وأصبح السؤال الأهم والمتكرر: كيف تنجح السعودية في تكرار هذا المستوى من الاستقرار والكفاءة والانسيابية في تطور احترافي ملموس عاماً بعد عام في بيئة بشرية لا يوجد لها نظير حقيقي على مستوى العالم.
وكيف يمكن نقل مدينة كاملة تضم أكثر من مليون وسبعمائة ألف إنسان من مختلف الأعراق والعادات والثقافات واللغات، بين عدة مواقع مختلفة خلال أيام معدودة، وفي أوقات محدودة، وتحت درجات حرارة مرتفعة، ومن دون أن يتحول المشهد إلى فوضى أو أزمة انهيار تشغيلي؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً نظرياً في مراكز أبحاث إدارة الأزمات أو مختبرات علوم الحشود، ولا مواقع المتابعة الإعلامية، بل هو بفضل الله تعالى واقع ملموس خلال مواسم الحج يتكرر ويتطور بصورة تلفت الأنظار كل عام في المملكة العربية السعودية. ولهذا فإن إعلان نجاح حج 1447هـ يتجاوز كونه إعلاناً عن انتهاء موسم بلا معوقات كبرى. إنه إعلان عن نجاح منظومة كاملة في عملية تتقاطع فيها الجغرافيا والدين والهندسة والطب والأمن والتقنية والسلوك الإنساني في نقطة نجاح واحدة رغم أن كثيراً من النماذج النظرية تفترض أن إدارة هذا المستوى من التعقيد تقترب من حدود صعبة التجاوز، ولكنه جسد المعنى الحقيقي لتفاني المملكة العربية السعودية في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.
وتكمن فرادة المشهد حين يعود ملايين الحجاج إلى أوطانهم، وعلى اختلاف لغاتهم وثقافاتهم تكاد تجتمع شهادتهم على رواية واحدة، وهي أن ما عاشوه في الحج هو تجربة اجتمع فيها حفاوة الاستقبال وحزم الأمن ودقة التنظيم وسرعة الخدمة في تناغم استثنائي، وبينما خلف هذه الشهادة تقف إدارة رشيدة، وشعب عظيم، ومنظومة متكاملة من العاملين الذين أدّوا مهامهم بإخلاص وانضباط وتكامل، وفي عمل متواصل لا يهدأ تحت توجيهات قيادة حكيمة جعلت خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما التزاماً عقائدياً ممتداً منذ تأسيس الدولة السعودية، ومسئولية تاريخيّة وشرفاً وطنياً راسخاً.
وفي هذا المقام الذي تتجلى فيه أعظم صور التفاني والعطاء والمسؤولية واحترافية الإنجاز، لا تتسع الكلمات لمقام الشكر ولا تّحيط بقدر الامتنان لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، على ما يوليانه من عناية مباشرة ورعاية شامله لخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وما تحقق في موسم الحج من نجاح يعكس عمق رشد القيادة ووضوح الرؤية ودقة التخطيط والتنفيذ.
كما يُثمَّن بكل تقدير وعرفان ما قدمته جميع القطاعات الأمنية والصحية والخدمية، وما بذله العاملون والمتطوعون في الميدان، الذين جسدوا أسمى معاني الإخلاص في أداء الواجب، وعملوا في ظروف استثنائية ليبقى الحجاج في أمن ويسر وطمأنينة.
نسأل الله تعالى أن يجزي القيادة السعودية والعاملين تحت أطر توجيهاتها خير الجزاء، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية ويديم علينا نعمة الأمن والاستقرار والعز والرخاء وأن يتقبل من الحجاج حجهم ويعيدهم إلى أوطانهم سالمين غانمين بحج مبرور وذنب مغفور وعمل صالح مقبول.