عبدالمحسن بن علي المطلق
ها هي اليوم ترحل بجسدها فقط، فقد اسبغت على أعطاف مشاعرنا طيبتها، وعلقنا خُلقها، وردّدْنا شمائلها، وإن شئت تقل رقيّ سيرة.. فلن تضام على هذه، أو تُؤخذ عليك مبالغة، أو يعدّ تعبيرك ارتشافا من مقولة متداولة (الموتى موضع ثناء)..!
فـ (الحب) والتي لا أجد كهذه اللفظة.. وعذوبة دلالتها ما يناسب عنوانا لمنيرة، تلك التي لم تكن جميلة المظهر، بل والمعشر، والآلاف.
تحضر (حال جلستٍ معها) لتَعدّي اهتمامها.. لا على حظ نفسها متقوقعة بل متجهة بكلّها للمتحدث عن حاله، وأحوال دُنياه وساعية لتخفف عنه بطريقة نصحها ووجه ما ترنوه، وذلك مما أعطاها ربي من قلبِ كبير.. يحتضن، كما وهي مع الجميع كذلك، فيما أحدنا يظنه بذاك الرواف وحده، فهي لأنها تباسم.. تترقب..، عدا ما تأخذ بالمتيسر من القول والمجدي من النصح، لا تتكلف أو تُكلف المتلقي.. ما لا يحسّ الجالس بمضي الوقت معها لأنه متلألىء بدنياها، بها زهيا.. يتبختر منها كل ما حولها.
فهل.. من، لأئم أن أبحث عن قلبي في عالم آخر، بُعيد.. فقده منيرة (التي هي أم..)، وليست أُختا فحسب.
رحم الله «أم عبدالرحمن»، فكم آنس القاصي (قبل الداني) ما نشرت لدى.. من عرفها ولو بطرفٍ من تواصل ، فخرج بوافر من الحبابة والسماحة، لما أنها لم تكن تنظر إلا من زاويتي اللطف، أو التعذير.. أُكرر التعذير للآخر، فلا يفتر لسانها عن ابدائه عند كل موقف، فذاك كان عنوانا لأختي (منيرة بنت علي المطلق) رحمها الله.. فهل لطهارة قلب، أم هي نفس عليّة؟، بل لعله بهما معا، ثم كذا ما نبني عليه - أحبابها-، فنُثمّنه لها، ولا نزكي على الله أحدا، تنبيه على عجالة.. حول هذا ((الاستثناء)) لما صح عند البخاري رحمه الله أن رجلاً ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأَثنى عليه رجل خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ويحك!، قطعت عُنق صاحبك - يقوله مراراً- إن كان أحدكُم مادحاً لا محالة فليقل: أحسِبُ كذا وكذا، إن كان يُرى أنه كذلك، وحسيبُه الله، ولا يزكّي على اللهِ احداً).
.. ها هي بالأمس بانت نعم، لكن سبق ذلك فترة ليست بقليلة تنقّلت فيها بين الأسرّة البيضاء - المستشفيات- وعلاجات ومحاولات، لكن.. وقد كَتب الله الـ (مسمّى) موعداً للأجل مكانه.. والزمان، ما لا تؤخره من الدفوعات، حتى لو كان بين تلكم شفيعا مطاعا، وقد قضى بحكمه.. من (كل شيءٍ عنده بمقدار) سبحانه.. أنه لا يقدم - الموعد- ولا يؤخر.
وهنا.. فإن من بين العزاء لأحبابها ما كان من موعد انتقالها للرفيق الأعلى واتفاقه - لم أحبذ، أو مستثقلاً للفظة ((صادف)) بأيام هي أعظم أيام الدنيا (العشر)، لما جمع جلائلها حديث (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر..)، فمما يُؤخذ من الحديث (أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره من الأوقات)،.. وهذا ما يجعلنا نتفاءل لها بالخير.. مصحوباً بقبول لها من المولى نرجوه، بالأخص وأكفّ الضراعة ترتفع من الصحب قبل المحب أن يتقبّلها ربها بالصالحين، وينزلها منازل المتقين.
لأكرر تتركنا مادياً، إذ بقيت تأثيراً.. لبصمات كثيرة من سيرة -لها- تضجّ بها أحاديثنا، ما لا نزايد في قيدها بأمثالها، واستغفر الله إن تجاوز وجه مقصدي عن غاية مرادي.
فـ.. فُرادى.. من (تطيب بهم الأحاديث والذكر) رحم الله أبا تمام.
لكن يكفي تبيعاً لكلماتي والراودف - له-.. أنها (لي) بمقام أمّ، وأي! مما تصنعه الأم مع ذريتها لم تعم به معي (أو مع أخي فهد، وكذا.. زوجها، فذريتها)، لكن:
وعلمت (حين العلم لا يجدي الفتى)
أن التي ضيّعتها كانت معي
فكم من ثمين.. لا نلتفت إليه لقرب شاطئه منّا، بالفعل/ كثرة الأمساس تُقلل الإحساس!
وبعد..
= رحلت.. والقلب منها ممتلئ لأحبتها في سخاء من الحنان، مغدق بالحبابة، مفعم بالعفو، إذ لا يذكر (لها) عنها سوى هذا.
= رحلت.. وقد علقنا منها فؤادا رطيبا وصنعة أنيقة.. لا مصانعة فيها، مما أثمر فينا من تلقائيتها ما أبهر فأنبأ عما انزوى من كاتم تفاعلها.
= رحلت وما درت كم أودعت بنا من أنّةٍ وزفير وأنفس خلف توقف أنفاسا تكاد تستطير، لأنهنّ حصرا.. أو قصرا عليها متقطعات.
= رحلت.. ولكأن تلكم على مثلك مثل (منيرة..) الأثيرة منقطعات،..
ولكم أجاد لهذا المعنى ((ديك الجن)).
لو كان يدري الميت ماذا بعده
بالحيّ حلّ.. بكى له في قبره
(غصص) تكاد تغيظ منها نفسه
وتكاد تُخرج قلبه من صدره
وكأنه قصد بقوله (غصص) أن الفاقد هو أولى بالشفقة من المفقود، أو إن لم يكن كذلك هما سواء.. في وقع (البين)، هنا تتذكر جملة (مصاحب المريض.. مريض)!، فلا تلوموه.
= رحلت بعد أن تممت الرحلة وأسلمت الأمانة كما استلمتها، فلم تنقص ميزانها، أو تبخس من مكيالها، فكانت تمثل لي، و(شقيقي) فهد.. حب أمي وروحها وعطائها، أن كانت قائمة به خير قيام.
إذ كفى أنها وهي في قمة أوجاعها ولهيب أجوائها تُشاركنا الأُنس، وتنتزع البسمة من ثغرها تقسوا على حالها كي لا يماسّ المناسبة، أو نمنى بشيء من الزهد.. إزاء ما ينشره - عنه - حالها.
= رحلت وقد زرعت بنا عطاء مهجةٍ أكلتنا أكلا لما، فـ جبر الله قلوبنا..، وأخصّ قلبك أبا عبدالرحمن التويجري، وقد كنت لها نعم الوليف، وأيضاً ذريتها - بدور- ذكرى - ابتهال، ودلال-.
= رحلت وقد أخذت معها بقايا عواطف كم كانت خبيئة لها، فلم تكن تسمح لنا أن تنثر ولو عليها.
= رحلت بعد رحلة امتعتنا بها، وقطعت مسافة بُعدها من الملل، وخففت من الكلل، حتى أزهرت ربوعها، وجادت بما نحسبه عند ربها به فازت، إما بعفويتها أو تلقائية، إذ كان رضاها يسير المنال -.. منها-.
= رحلت المنائر ذات المآثر اللآتي نسأل الله أن تكون في رصيدها (.. يوم تُبلى السرائر)، فلا لأحد يومئذ من قوّة تدفع ولا ناصر يشفع سوى عمله..
وقد كشط لنا حديث قدسي (إنما هي أعمالكم أوفيها لكم)، فذاك الرصيد الحقيقي {.. هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} الذي لا تلتفت لزيادته، ومن ثم إنمائه التي ادركت بحق أن {الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} ألا يكفينا أمر مولانا سبحانه {وتزودوا}.. ثم حدد بالخيرية في أنواع الزيادات وهي كثّة - التي نعرفها بدنيانا - حين حصر الطلب (.. إن خير الزاد التقوى).
.. ألا فحسب من شمر السواعد ودفع همته رُقيّا لتلكم الربوة ذات قرار ومعين.. إن بلغ (أي المكان المرتفع)، والمعين الظاهر، فهل.. بعد ذا رجوا من خير عميم ، أو أثير نعيم.
فمنزلة كـ(تلك) الكل عليها قادر، والميدان للجميع مشرع {.. وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} لا حجّة لأحد، والآيات بهذا مجليات {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ }، ممن لتلكم هم مشمرون.
وفي الختام نوجز على مثلك فـ.. يلقي اللسان السلام.. فيما الجنان.. مُناديا.
يا بسمةً القلوب.. رحمك علّام الغيوب.