خالد محمد الدوس
قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 185). بهذه الآية الكريمة، نستقبل قضاء الله وقدره في رحيل ابن العم الشاب الأخ والصديق «محمد بن عبدالمحسن الدوس»، أحد منسوبي كلية إدارة الأعمال بجامعة الملك سعود، الذي انتقل إلى رحمة الله مساء أمس السبت الموافق 13-12-1447هـ، بعد مرض لم يمهله طويلاً، فكان الموت أسرع من كل الآمال، وأسرع من دموع المودعين.. واليوم نفقده إلى الأبد في هذه الدنيا الفانية.. لأن الموت حق لا مفر منه.. والموت طريق.. والكل إليه صائر.
عُرف الفقيد -رحمه الله- بسيرة اجتماعية ناصعة البياض في نسقنا العائلي. كان شاباً جمع خلقاً وأدباً ونبلاً قلما يجتمعان في إنسان واحد تؤدبه في حضوره وغيابه..! كان نظيف القلب.. نقي السريرة.. محباً للخير والوفاء والإيثار مع الأحباب والأصحاب.. كما كان باراً بوالديه براً حسناً في زمان عز فيه هذا الخلق العظيم، لا يرفع صوته بحضرتهما، لا يتقدم عليهما في مشي ولا حديث، يجلس إليهما في المساء ويؤنس وحدتهما.. كما يروي لنا أحد أشقائه..!،
وبالتالي كان نموذجا في بّره بوالديه.. رحل «الابن البار»، وبقيت حسرته في قلبين لا يعوضهما الزمن..!
كان -رحمه الله- يدخل المجلس بصمت ويخرج بصمت، لا يقطع حديث أحد، لا يرفع صوته على متحدث، لا يفرض حضوره على أحد.. تراه يجلس في زاوية المجلس، مبتسماً، هادئاً متفاعلاً بعينيه وقلبه، لا يّمل منه جليس، ولا يستثقل وجوده أحد..! فإذا طُلب منه الحديث ؛تكلم فما سمعت منه إلا خيراً، وما نطق إلا بحكمة أو دعابة خفيفة تخفف القلوب.
كثيرون يسألون عنه: أين محمد؟ لم نسمع صوته؟ وحين يجيبهم: إنه هنا، في صمته، يدركون أن هذا الصمت أبلغ من ألف كلمة..! وكما يقول بعض الحكماء (الصمت كان ومازال المعلم الأول.. في الصمت تنمو بذور الحكمة، وتنبت أزهار الصبر).. وتبعا لذلك فإن رحيله لم يكن خبراً عابراً، بل كان غياباً للصمت المهذب الذي كان يملأ المجالس حين يحضرها، وكان انطفاءً لسراج خفيّ كان يُضيء بلا ضجيج.. كان الأخ الغالي «محمد» بحقّ ممن يُذكرون في غيابهم أكثر مما يُذكرون في حضورهم، لأنهم أثروا النفوس في (صمت).. والصمت نصف الحكمة كما يقول بعض خبراء التنمية البشرية.!
عمل فقيدنا الغالي في وحدة العلاقات العامة والإعلام بكلية إدارة الأعمال بجامعة الملك سعود، وكان نموذجا يحتذى به في إخلاصه وأخلاقه ومهنيته، لم يكن موظفا يؤدي مهامه فقط، بل كان من سفراء «الابتسامة الدائمة» في الكلية لما كان يتمتع به من حسن تعامل وأدب جّم مع زملائه وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، وبالتالي ترك أثراً طيباً مع كل من تعامل معه عن قرب.
وعن معاناته المرضية فقد بدأت قبل أيام قلائل من وفاته لم تتجاوز أربعة أيام..!، حين فاجأه مرض لم يمهله طويلاً، ولم يمنح أهله وقتاً كافياً للاستعداد للفراق..! دخل المستشفى والأحباب والأهل يدعون له، يظنون أنها أيام ويعود، لكن قدر الله عز وجل كان غير ما تمنت القلوب. ظل قلبه ينبض للحظة الفارق، راضياً بقضاء الله، غير متذمر ولا شاكٍ فدخل العناية المركزة عدة أيام.. ثم أسلم الروح لباريها مساء السبت الماضي، تاركاً جسداً يُغسل ويُكفن، وسيرةً تبقى تُروى.!
غاب الشاب الغالي محمد بجسده، لكنه حاضر بذكراه.. ما زال الفراغ الذي تركه في مجلس العائلة واضحاً، الدموع لن ترده، والأسى لن يفيده شيئاً، لكن الدعاء الصادق والصدقة الجارية هما ما يبقى.
اللهم تقبله في عبادك الصالحين، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأبدله داراً خيراً من داره، وأدخله الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
خالص العزاء لوالده العم الفاضل عبدالمحسن الدوس، ووالدته المرأة الصابرة المحتسبة قماش النفيسة وأشقائه، سائلاً الله العلي القدير أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يربط على قلوبهم، وأن يعوضهم خيراً عن فقيدهم الغالي، تغمده الله بواسع رحمته.. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.