ظل مستوى المعرفة لدى الإنسان مرتبطًا بعمره طول حقب التاريخ؛ لما لذلك من علاقة بما يمر به من تجارب، ومَن يصاحب من أناس يحتك بهم ويستفيد منهم، حتى اتسعت رقعة القراءة لديه بانتشار الكتاب وتجاوز استخدامه من النخبة إلى عامة الناس. وهكذا تحول اعتقاد الناس من أن العبقري العارف بكل شيء هو كبير السن، إلى أمور أخرى ليس أقلها إمكانية الحصول على تجارب حياتية مكثفة واختصار المراحل وحرقها عبر أمور عديدة من بينها القراءة.
وبينما كان لدى بعض المجتمعات أمثال شعبية على مبدأ (أكبر منك بيوم أفهم منك بسنة)، كما في المثل الشعبي الأحسائي، فقد طفت على الساحة مفاهيم جديدة تتعلق مثلاً بمدة الدراسة الأطول أو الشهادات الأعلى أو القراءة الأكثر كثافة، كما ظهرت حكم أخرى ترفد هذا المثل وتُطوره؛ من ذلك ما قاله أحد الحكماء: يتعلم الإنسان بطريقتين؛
وبناء عليه لم تعد علاقة العمر بمستوى المعرفة علاقة خطية بسيطة؛ بل دخلت عوامل أخرى على الخط، شكلت وتشكل فرقًا حاسمًا في معادلة المعرفة البشرية. فالقراءة تساعد كثيرًا في اختصار الزمن، وربما منحت من يقبض عليها أعمارًا إضافية على عمره، وهو مصداق ما قاله الكاتب الشهير عباس محمود العقاد: لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنني أحبها لأن حياة واحدة لا تكفيني، وما عبّر عنه الكاتب الكبير لويس بورخيس بقوله: إن الإنسان يمكن أن يعيش آلاف الحيوات عبر الكتب.
وهكذا فإن القراءة العميقة والمتواصلة تُعد أفضل كاسر لحاجز الزمن عبر تكثيف عمر القارئ، موجدة بذلك مفهومًا جديدًا للعمر، وهو العمر المعرفي مقابل العمر الزمني أو البيولوجي لعموم الناس.
ولذلك فقد نجد العلم يفيض من شاب منكب على الكتب المفيدة منذ حداثة سنه، في حين يتعثر بعض كبار السن في إعطاء معلومة عن موضوع ما؛ لكونهم اعتمدوا على أعمارهم وعلى التجارب التي مروا بها، والتي قد لا تفيد وحدها في جميع جوانب الحياة.
وترجع أهمية القراءة إلى أنها تخرج القارئ من دائرة تجاربه الشخصية إلى تجارب الآخرين في مدة زمنية مختصرة، متخطية حواجز الجغرافيا التي تفرض الانتقال إلى منطقة أخرى لمن أراد التعرف عليها والاعتماد على العمر والتجربة دون القراءة، في حين تعطي القراءة تذكرة مجانية للسفر عبر الزمان والمكان حتى دون تحريك القدمين من مكانهما، متجاوزة في ذلك حدود الخيال الذي يتحدث عن آلة الزمن.
في المقابل فإن القراءة بدون تجربة معاشة هي أيضًا معرفة نظرية سطحية، تمامًا كما عبرت عنه الشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان، حين قالت في سيرتها الذاتية (رحلة جبلية رحلة صعبة): إن الكتب لا تكفي كمصدر لمعرفة الحياة وما في العلاقات البشرية من تعقيد وتصادم؛ علينا أن نحيا في الحياة ذاتها، فتجاربنا الخاصة تظل هي الينبوع الأصلي لتلك المعرفة.
وهنا يأتي النموذج المثالي في الجمع بين القراءة والتجربة مع العمر الزمني لكي يحول ذلك كله إلى فهم مجرّب ينعكس على حياة من يتبناه بصورة لا تخطئها العين، لا مجرد علم نظري أو مكتبة متنقلة، أو اقتصار على التجارب الشخصية المقيدة بأزمنة وجغرافيا.
** **
- يوسف أحمد الحسن
@yousefalhasan