أ.د.صالح معيض الغامدي
ارتبطت السيرة الذاتية منذ القدم وحتى وقت قريب بالنثر وعدت من أبرز الفنون السردية النثرية في شتى الثقافات تقريبا، ويعكس هذا الموقف بجلاء التعريف المشهور الذي صاغه لوجون، أكبر ناقد ومنظر ربما للسيرة الذاتية في العصر الحديث، قبل أن يعيد النظر فيه لاحقا: «حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة». ومعلوم أن الارتباط الوثيق بين حياة الشاعر وشعره ارتباط قديم في الشعر العربي، فالشعر كما هو معلوم من الأجناس الأدبية الشديدة الارتباط بذات ناظمه إلى درجة أن الحديث بضمير المتكلم قد صار خاصية من خصائصه في كثير من الأغرض، وتسامحت الثقافة كثيرا في استعمال هذ الضمير في الشعر، على عكس ما نجد في النثر، وقد استثمر هذه الخاصية الذاتبة في الشعر بعض النقاد الذين يتبنون المنحى النفسي في تفسير الأدب واستثمروها في قراءة أشعار الشعراء ودراستها وتحليلها عن طريق ربط شعر الشاعر بتجاربه الحياته كما رويت في كتب الأدب أو التراجم والسير، فرأينا دراسات من مثل (حياة المتنبي من شعره) استنادا الى فرضية مفادها أن الشاعر يحكي حياته أو بعض جوانبها في شعره. أو «ملامح السيرة الذاتية في الشعر العربي القديم: دراسة تطبيقية في شعر المتنبي» للدكتورة فاطمة العتيبي…إلى آخره.
السيرة الذاتية والسيرذاتي
ولكن ينبغي أن نفرق بين الأبعاد أو الملامح السيرذاتية التي جاءت ( أو نعتقد أنها جاءت) عرضا في شعر الشاعر ويمكن دراستها اجتهادا منا، وبخاصة عند نقاد التحليل النفسي أو السيري للشعر، وبين ما نسميه السيرة الذاتية الشعرية أو قصيدة السيرة الذاتية، لأننا في النوع الأول لا نملك عقدا سيرذاتيا قويا يبرر قراءتنا أو تحليلاتنا، وإنما تكون اجتهادا منا وحدسا مبنيا في الغالب الأعم على ما ورد في كتب السير والتراجم حول هؤلاء الشعراء، أما في النوع الثاني ، أعني قصيدة السيرة الذاتية فنمتلك عقدا سيرذاتيا صريحا أو ضمنيا نستطيع أن نطمئن إليه .
تعريف قصيدة السيرة الذاتية
ولعل من المناسب هنا أن نحاول التعرف على قصيدة السيرة الذاتية، فقد كثرت محاولات تعريفها، ويمكن أن نختار منها تعريف خليل هياس المشهور:» قصيدة السيرة الذاتية ماهي الا سرد استرجاعي لحياة منظومة شعرا يروي فيها شخص حقيقي كسرا سيرية عن حياته ووجوده الخاص، مركزا حديثه على الحياة الفردية وعلى تكوين شخصيته بالخصوص، مستندا في كل ذلك إلى آليات المنظومة الذاكراتية». وهذا- كما نرى- وصف أكثر منه تعريف لطوله ولطبيعته الاشتراطية الاستطرادية وحرصه على محاكاة تعريف لوجون السابق، كما نرى.
ولعل هذا التعريف التالي الذي نختاره يكون أكثر مناسبة هنا بوصفه تعريفا عمليا إجرائيا:
«هي شكل من أشكال الشعر الذي يمتح فيه الشاعر مباشرة من تجاربه الحياتية، وذكرياته وعواطفه ليصنع بروقا سيرذاتية شخصية، تسرد بضمير المتكلم».
الفرق بين السيرة الذاتبة النثرية التفليدية وقصدة السيرة الذاتبة
ولعل من المفيد هنا أن نعقد مقارنة سريعة بين السيرة الذاتية النثرية التقليدية وقصيدة السيرة الذاتية لتتضح الصورة بدرجة أكبر:
1- بناء السيرة الذاتية النثرية (س ذ ن) يكون بناء فقريا تراكميا، بينما يكون اليناء في قصيدة السيرة الذاتية (ق س ذ) معتمدا على البيت والصورة وعلى الايقاع والفراغات البيضاء.
2- يكون الزمن في السيرة الذاتية النثرية التقليدية خطيا تاريخيا (أفقيا)، أما في قصيدة السيرة الذاتية فيكون عموديا تزامنيا (الغوص في لحظة/ تجربة واحدة وتفجيرها)
3- تبنى الذات في السيرة الذاتية النثرية بناء تدرجيا، (طفولة.. مراهقة.. شباب.. شيخوخة) بينما تتكشف الذات في قصيدة السيرة الذاتية فجأة كالبرق ومضا وكثافة.
4- تشكل الذاكرة في السيرة الذاتية النثرية المادة الخام التي تُنقح فيها الأحداث وتحلل وترتب، بينما تكون في قصيدة السيرة الذاتية ذاكرة متشظية، ُتستدعى بحواسها (صور وأطياف وألوان ورائح …إلى آخره.) وليس بأحداثها.
5- تسعى السيرة الذاتية النثرية إلى الوضوح النسبي وتفسر الدوافع وترابط الأسباب، بينما تسعى قصيدة السيرة الذاتية إلى الغموض المستجلب، وتميل إلى طرح الأسئلة وتتفادى تقديم التفسيرات.
6- تتخذ السيرة الذاتية النثرية صوتا تأمليا تحليليا بضمير المتكلم (كنت، فصرت)، أما قصيدة السيرة الذاتية فتتخذ صوتا انفعاليا حاضرا « أنا هنا « الآن.
7- يشارك المتلقي في السيرة الذاتية النثرية في عملية الفهم والتفسير، أما في قصيدة السيرة الذاتية فتكون مشاركته وجدانية من خلال الأحداث التي تُحكى له، أما في قصيدة السيرة الذاتية فيشعر المتلقي بالأحداث ولا تحكى له.
8- يعتمد الصدق في السيرة الذاتية النثرية على دقة الاسترجاع والتحليل، وهو كثيرا ما يوصف بأنه صدق أخلاقي، أما الصدق في قصيدة السيرة الذاتية فيكون مرهونا بقوة الانفعال وصدق الصورة، فالصدق هنا صدق جمالي شعوري.
ولعل من أجمل العبارات التي قرأتها في التفريق بين السيرة الذاتية النثرية وقصيدة السيرة الذاتية أن الأولى « تروي قصة حياة كاملة، بينما الأخرى تقدم صدى الحياة الداخلي».!!