إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
لم يعد الفنُّ العام في مدننا المعاصرة مجرد زينةٍ تُضاف إلى أرصفةٍ صماء أو ميادين جامدة إذ تحول إلى لغةٍ حيةٍ تتحدث بها المدن ونبضٍ يضخُّ الجمال في شرايين التخطيط الحضري، إنَّ حضور الأعمال الإبداعية في تفاصيل حياتنا اليومية سواء في طرقاتنا أو جسورنا أو مساحاتنا المفتوحة يتجاوز كونه ترفاً بصرياً ليصبح ركيزةً أساسيةً في أنسنة المدن، نحن أمام عمليةٍ تحويليةٍ تنقل الحيز المكاني من مجرد «محطة للعبور» إلى «فضاءٍ للعيش» والتأمل والدهشة مما يسهم في الارتقاء بالذائقة البصرية ويؤدي دوراً جوهرياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إن هذه الأعمال تعمل كجسورٍ للتواصل ومرايا تعكس جودة الحياة في عالمٍ يتسارع إيقاعه كل يوم.
في قلب هذه التحولات تبرز الرياض كنموذجٍ متفرّدٍ يعيد صياغة ارتباطه بالفن، فلم يعد الأمر مقصوراً على الأحداث الموسمية أو الاستعراضات النخبوية بل أصبحت الثقافة جزءاً متجذراً في إيقاع العاصمة وسيرورتها المتطورة، وضمن الرؤية الملهمة التي يقودها «برنامج الرياض آرت» منذ إطلاقه عام 2019 تحت إشراف الهيئة الملكية لمدينة الرياض تكتسب المدينة هوية بصرية متجددة، يكمن جوهر هذا المشروع في إعادة رسم العلاقة بين العاصمة والفن من خلال دمج القطع الفنية في الساحات والميادين ومحطات العبور والوجهات العامة لتمتزج هذه الأعمال بتجربة العيش في الرياض وتغدو عنصراً أصيلاً من نسيجها اليومي.
على جسر المشاة عند تقاطع طريق الملك عبد العزيز مع شارع هشام بن عبدالملك، يبرز عمل «الجري إلى ما وراء» للفنان الإيطالي «أنجيلو بونيلو» ليقدم قراءةً فلسفيةً لحركتنا الإنسانية المستمرة. اختار الفنان موقعاً تعبره الحركة يومياً ليصبح العمل جزءاً من التدفق الحضري متجاوزاً بذلك كونه مجرد مجسمٍ يجاور الناس، يعتمد هذا العمل على توظيف الضوء والحركة والتكرار البصري، محولاً نقطة العبور هذه إلى معلمٍ حيٍّ يتفاعل مع إيقاع المدينة، هنا يتحرر الجسد من ثقله ليغدو رمزاً للعبور والانطلاق ويرافق العابرين في تنقلاتهم اليومية ليغرس فيهم شعوراً بأنهم جزءٌ من حيوية الرياض وطموحها، وفي المقابل يأخذنا الفنان الهندي «سوبوده غوبتا» في عمله «شجرة العائلة» بمركز الملك عبد الله المالي (كافد) نحو ضفاف الذاكرة، يستلهم الفنان عناصره من الأدوات المنزلية والأشياء اليومية التي تلازم حياة البشر ثم يعيد تركيبها في تكوينٍ ضخمٍ يستحضر مفاهيم الذاكرة الجمعية والترابط العائلي والتحولات الاجتماعية، يقدّم هذا العمل قراءةً معاصرة لفكرة «العائلة» بوصفها بنية تتخطى الروابط الفردية لتصل إلى ذاكرة ثقافية مشتركة تتقاطع فيها الحكايات البشرية مما يولد حواراً حميمياً بين صخب الفضاء الحضري المعاصر ودفء الانتماء.
بين «الجري إلى ما وراء» الذي يركض نحو المستقبل، و»شجرة العائلة» التي تفتح نوافذ على الذاكرة، تتشكل ثنائيةٌ تعبر عن روح الرياض اليوم، هذه المدينة تعي تماماً أن قيمة الفن العام تتخطى البعد الجمالي لتشمل أدواراً حضرية وثقافية أوسع فهي تعيد تعريف المكان العام كمساحةٍ للتفاعل والتأمل واللقاء وتخلق نقاطاً جديدة للتواصل بين السكان والمدينة، ويؤكد بدر الشنيفي، مدير أول في برنامج الرياض آرت، أن «الفنّ العام يمتلك القدرة على الوصول إلى الناس حيثما كانوا، وأن كل عمل فني يستجيب لطريقة حركة الناس داخل المدينة، ليصبح تدريجيًا جزءًا من الحياة العامة، لا مجرد معلم منفصل».
إن هذا التوسع المستمر، الذي يضم اليوم 75 عملاً فنياً عالمياً ومحلياً من 47 دولة، مع خطط طموحة لإضافة المزيد خلال عام 2026، يعكس التحول الكبير الذي تشهده الرياض.
إنها مدينة تبني مشهدًا ثقافيًا يتقاطع فيه الفن مع التخطيط الحضري وجودة الحياة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. تواصل الرياض كتابة قصتها البصرية؛ مدينةٌ لا تكتفي بأن تُمَدّ في الأفق وتتسع في الطموح، بل تختار بوعيٍ أن تحفظ إنسانيتها، فهي لا تُرى بالعين فحسب، بل تُعاش وتُتَنفّس، حيث الفن في كل زاوية يمثل الذاكرة، ويمهد الطريق، ويضفي معنىً على الحياة.
** **
X: AL_KHAFAJII