في عالم الفنون البصرية يظل النحت أحد أكثر التعبيرات الفنية تطلباً وقدرةً على ملامسة جوهر الوجود، فهو فنٌ يتعامل مع الفراغ بقدر ما يتعامل مع المادة. تكمن خصوصية النحت في كونه صراعاً مستمراً بين قوة الإرادة الإنسانية وثبات الخامة، حيث يسعى الفنان إلى تحرير الشكل الكامن داخل الكتلة الصماء سواء كانت حجراً عتيقاً أو طيناً ليناً أو معدناً صلباً، ومن خلال هذه العملية التشكيلية تتجاوز المنحوتة وظيفتها كشكل مادي لتصبح وسيطاً يختزل الزمن ويسجل انفعالات اللحظة ويحفظ أثراً إنسانياً يتجاوز محدودية العمر البشري.
تتجلى هذه الأبعاد في معرض «بين الطين والحجر» الذي يستضيفه «جاليري نايلا» بالرياض حيث يطرح المعرض قراءة فنية في علاقة الفنان بالخامة، لا يكتفي المعرض بتقديم أعمالٍ فنية متفرقة إنما يضع المتلقي أمام حوارٍ بصريٍ يكشف الكيفية التي يعيد بها الفنانون صياغة المواد الأولية محولين إياها إلى خطابٍ بصريٍ يلامس الملمس والكتلة، ومن خلال مشاركة نخبة من الفنانين وهم : أحمد الشبيبي، عصام جميل، عمار سعيد، د. عواطف القنيبط، عبدالمحسن الرويس، علي أحمد المشيخي، د. علي المرزوق، علي الطخيس، علي شويل، خالد العنقري، سلطان عسيري، طلال القاسمي، طلال الطخيس، وفاء القنيبط، محمد الحارثي، محمد الثقفي، محمد السلطان، مها ملوح، مهدي البنّاي، د. منى سنبل، يقدم المعرض بانوراما متنوعة للتجربة النحتية السعودية المعاصرة.
يعد التنوع في استخدام الخامات - بين الطين والحجر والمعادن - حجر الزاوية في هذا الطرح، إذ نجح الفنانون في صنع توازنٍ بين الموروث الشعبي والتشكيل الحداثي عبر لغة نحتية هندسية تتسم بالوضوح، نرى ذلك جلياً في التكوينات المعدنية التي تستحضر دلالات المكان والذاكرة مُعاد صياغتها في هيئاتٍ تجريديةٍ ترتفع نحو الأعلى، وإلى جانب ذلك تضيف الأعمال الخزفية بعداً ملموساً يربط بين ليونة الخامة وقسوة التشكيل، إذ تبرز الأواني المفرغة المزدانة بألوانٍ متداخلة علاقة الفراغ بالكتلة حيث يغدو الفراغ داخل المنحوتة عنصراً جوهرياً لا يقل أهمية عن المادة الصلبة ذاتها، إن هذه القطع لا تحكي قصة المادة فحسب بل هي محاكاة لتدفق الأيام وتراكم الخبرات الإنسانية التي تتشكل عبر دورات الإنتاج والابتكار.
ولا يغيب البعد الإنساني عن هذا المشهد فالأعمال البرونزية التي تجسد الشخصيات المحلية تذكرنا بأن النحت وسيلة لتجميد اللحظة الزمنية، إن حركة الجسد وملامح المهن التقليدية وتفاصيل الزي تتحول تحت أيدي الفنانين إلى أيقوناتٍ تعكس هوية المجتمع، وفي سياقٍ موازٍ تعبر الأعمال التجريدية الحجرية عن الزمن الجيولوجي، فالفنان هنا لا يكتفي بصياغة الشكل وإنما يتعامل مع التاريخ ذاته مستخدماً طبقات الحجر كسجلٍ زمنيٍ يحمل ندوب الزمن وقوة البقاء، إن التلاعب بالخطوط الأفقية والفتحات الهندسية داخل الكتل الحجرية يضفي على هذه الأعمال طابعاً معمارياً وكأن الفنان يستخرج «روح» الحجر من أعماق الأرض.
لقد أسهم التصميم الفراغي في هذا المعرض في تعزيز رسالة المعرض إذ أتاح التوزيع المدروس للزائر أن يتحرك حول العمل الفني مما يولد تجربة تفاعلية تتبدل فيها زوايا الرؤية وظلال المنحوتات مع كل خطوة كما تكسر القطع التركيبية المفاهيمية حالة النمطية كالعمل المغطى بالنسيج الذي يلفُّ ما تحته بالغموض تاركاً للمتلقي مساحةً واسعة للخيال والتأويل وهو جوهر الفن الذي لا يقدم إجاباتٍ جاهزة إنما يفتح الباب لأسئلةٍ متعددة حول كنه الجسد وأثر الغياب.
إننا أمام تجربة بصرية تستدعي التأمل في علاقتنا بالأشياء وتكشف الجرأة في التنويع بين المدارس الفنية -من التشكيل الواقعي للبرونز إلى الاختزال التجريدي للحجر - عن تباين إبداعي تجاوز مرحلة المحاكاة إلى مرحلة الابتكار. الفنان هنا لم يعد ناقلاً للواقع، إنه صانع لعوالم بصرية حيث يتحول الطين والحجر إلى أداة سرد ويغدو الحجر شاهداً على حضور الإنسان في هذا العالم المتغير. يمثل معرض «بين الطين والحجر» قراءةً في جدلية المادة والذاكرة ففي خضم العالم الرقمي المتسارع يذكرنا هؤلاء الفنانون بأن الهوية تتشكل بقدر ما نشكل مادتنا ليبرهنوا أن الإبداع عملية مستمرة لفهم الذات من خلال الخامة. لقد قدم المعرض مرآةً لنضج التجربة النحتية السعودية وقدرتها على استيعاب المفهوم وتجسيده في قوالب تحترم الخامة وتستثمر جمالياتها لتصبح زيارة هذا المعرض بمثابة رحلةٍ في وعي الفنان السعودي وفي أعماق النفس البشرية التي تجد في الطين طهارة البدايات وفي الحجر ثبات الغايات، إنها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين اليد والمادة لتترك للأجيال القادمة إرثاً بصرياً يمتد في وجدان الزمان.