وائل العتيبي - الرياض:
في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الثقافية والمعرفية حول العالم، يبرز المعهد الملكي للفنون التقليدية «وِرث» بوصفه أحد أهم المشاريع الوطنية التي تتجاوز مفهوم التدريب على الحرف والفنون إلى بناء منظومة متكاملة لحفظ الذاكرة الثقافية السعودية ونقلها إلى الأجيال القادمة بأساليب عصرية تضمن استدامتها وتطورها.
ويجسد اسم «وِرث» فلسفة المعهد ورسالة تأسيسه؛ فهو ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل مساحة حية تنتقل فيها المهارات والخبرات والمعارف من يد الجد إلى حفيد الغد، ليصبح التراث موردًا معرفيًا واقتصاديًا وثقافيًا قادرًا على مواكبة المستقبل دون أن يفقد أصالته.
ومنذ تأسيسه، رسخ المعهد مكانته بوصفه المرجع الوطني الرائد في تعليم الفنون التقليدية السعودية والمحافظة على عناصر التراث الثقافي المادي وغير المادي، من خلال تطوير برامج تعليمية وتدريبية تستهدف مختلف الفئات العمرية والمستويات المهنية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الموهوبين والحرفيين والباحثين والمهتمين بالفنون التقليدية.
ويقدم «وِرث» أربعة مسارات رئيسية تشمل التعليم العالي، والدورات القصيرة، والبرامج التخصصية، وبرامج التلمذة، بما يتيح للمتدربين اكتساب المهارات أو تطويرها وفق مسارات تعليمية متدرجة تجمع بين الجانب الأكاديمي والخبرة العملية، وتسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على حماية الموروث الثقافي وتطويره وتحويله إلى قيمة اقتصادية وإبداعية مستدامة.
وفي ترجمة عملية لهذه الرؤية، يطرح المعهد خلال شهر يونيو 2026 حزمة من الدورات المتخصصة التي تستهدف تعزيز المهارات المهنية والمعرفية في مجالات التراث والفنون التقليدية. وتشمل دورة «حصر التراث الثقافي غير المادي» التي تستضيفها جدة خلال الفترة من 14 إلى 18 يونيو، ودورة «إدارة مواقع التراث العالمي» التي تقام في الرياض خلال الفترة ذاتها، إلى جانب دورة «تقنية اللياسة الطينية» يومي 17 و18 يونيو، والتي تركز على أحد أبرز أساليب البناء التقليدي المرتبطة بالعمارة المحلية.
كما ينظم المعهد دورة «أساسيات ريادة الأعمال الحرفية» عن بُعد خلال الفترة من 21 إلى 25 يونيو، بهدف تمكين الحرفيين والممارسين من تطوير مشاريعهم وتحويل مهاراتهم إلى فرص اقتصادية واعدة، فيما تختتم البرامج بدورة «مبادئ إعادة استخدام المنتج» يومي 24 و25 يونيو في الرياض، ضمن توجه يربط بين الاستدامة والابتكار والحرف التقليدية. ولا يقتصر دور المعهد على التعليم والتدريب فحسب، بل يمتد إلى الاحتفاء بالكنوز الوطنية الحية ورواد الفنون التقليدية، باعتبارهم حراسًا للمعرفة التراثية المتوارثة عبر الأجيال. ويعمل على توثيق خبراتهم ونقلها للمتدربين، بما يضمن استمرار المدارس الفنية والحرفية السعودية الأصيلة وحمايتها من الاندثار.
وتتجلى رؤية المعهد في بناء مجتمع إبداعي متكامل يضم الحرفيين والباحثين والدارسين والزوار تحت مظلة واحدة، الأمر الذي جعله منصة وطنية للتفاعل الثقافي والإبداعي، ومركزًا لإنتاج المعرفة المرتبطة بالفنون التقليدية السعودية.
كما تعكس مقرات المعهد المنتشرة في عدد من مناطق المملكة فلسفته القائمة على الارتباط بالمكان والهوية المحلية. ففي الرياض يقع المقر الرئيس للمعهد ضمن مبنى عصري يمثل مركز الإدارة والبرامج الأكاديمية الرئيسة، بينما يحتضن قلب جدة التاريخية أحد فروعه داخل مبنى تراثي يعكس عمارة الحجاز التقليدية بما تشتهر به من رواشين خشبية وواجهات تاريخية.
وفي منطقة القصيم، يتخذ مركز التدريب طابعًا معماريًا نجديًا مستوحى من البيئة المحلية وتقاليد البناء الطيني، ليكون فضاءً ملائمًا لتعليم الحرف التقليدية وممارستها. أما في الأحساء، فيقع فرع المعهد داخل منتزه الملك عبدالله البيئي، حيث تمتزج عناصر العمارة الأحسائية التراثية مع البيئة الطبيعية في مشهد يجسد العلاقة التاريخية بين الإنسان والمكان.
ويؤكد اختيار هذه المواقع حرص المعهد على أن تكون بيئات التعلم جزءًا من التجربة التعليمية نفسها، بحيث يعيش المتدرب تفاصيل التراث الذي يدرسه ويتفاعل معه في سياقه الطبيعي والثقافي، وليس بوصفه مادة نظرية فحسب.
ومع اتساع الاهتمام الوطني بالقطاع الثقافي، يواصل «وِرث» أداء دوره بوصفه أحد الممكنات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز الهوية الوطنية وتنمية الاقتصاد الثقافي وتمكين المواهب السعودية، ليصبح نموذجًا رائدًا في كيفية تحويل التراث من ذاكرة محفوظة إلى صناعة مستقبلية قادرة على الإبداع والإنتاج والاستدامة. وبين أصالة الماضي وطموحات المستقبل، يواصل المعهد الملكي للفنون التقليدية «وِرث» كتابة قصة وطنية متجددة عنوانها أن الحفاظ على الهوية لا يتحقق بحفظها فقط، بل بإحيائها وتعليمها وتمكين الأجيال الجديدة من حملها نحو آفاق أكثر اتساعًا وتأثيرًا.