وائل العتيبي - جدة:
تتجاوز أهمية مشروع تطوير الواجهة البحرية لجدة التاريخية حدود التطوير العمراني التقليدي؛ إذ يمثل مشروعًا ثقافيًا وحضاريًا يستهدف استعادة العلاقة التاريخية بين المدينة والبحر، وإحياء أحد أهم مكونات الذاكرة المكانية التي صنعت شخصية جدة عبر العصور.
وفي الوقت الذي تشهد فيه جدة التاريخية مرحلة غير مسبوقة من أعمال التأهيل والتطوير ضمن رؤية شاملة للحفاظ على التراث العمراني، يبرز مشروع الواجهة البحرية باعتباره أحد أكثر المشاريع ارتباطًا بالهوية الأصلية للمدينة، إذ يسعى إلى إعادة البحر إلى منطقة «البلد» واستعادة المشهد التاريخي لميناء البنط، الذي ظل لقرون نقطة التقاء للتجار والبحارة والحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم. وقد ارتبطت جدة منذ نشأتها بالبحر الأحمر ارتباطًا وجوديًا، حتى بات من الصعب قراءة تاريخ المدينة بمعزل عن علاقتها بالملاحة البحرية والتبادل التجاري والثقافي. فالميناء التاريخي لم يكن مجرد مرفق اقتصادي، بل فضاءً مفتوحًا للتفاعل الحضاري، عبرت من خلاله السلع والأفكار والثقافات، وأسهم في تشكيل الطابع الاجتماعي المتنوع الذي عُرفت به المدينة.
غير أن التحولات العمرانية المتسارعة التي شهدتها جدة خلال العقود الماضية أدت إلى ردم أجزاء واسعة من الساحل التاريخي، ما أوجد فجوة مكانية بين البحر والمنطقة التاريخية، وأفقد المدينة جزءًا من صورتها الأصلية التي وثقتها الخرائط والروايات التاريخية القديمة.
اليوم يأتي مشروع الواجهة البحرية ليعالج هذا الانقطاع التاريخي، من خلال إعادة تشكيل العلاقة بين المدينة والبحر، واستعادة المشهد العمراني الذي ارتبط طويلًا بهوية جدة بوصفها «عروس البحر الأحمر».
ويقوم المشروع على رؤية متكاملة تستهدف إعادة إحياء البيئة الساحلية التاريخية للمنطقة، وتحويلها إلى فضاء حضري مستدام يجمع بين المحافظة على الإرث الثقافي وتعزيز جودة الحياة.
تبدأ المرحلة الأولى بأعمال التهيئة وإعادة حفر المناطق البحرية التي تعرضت للردم خلال العقود الماضية، بما يسمح بعودة المياه إلى مساراتها الطبيعية، إلى جانب إزالة البنية التحتية القديمة وتنظيف المواقع المستهدفة تمهيدًا لإعادة تشكيل المشهد الساحلي التاريخي.
أما المرحلة الثانية، وهي المرحلة الجارية حاليًا، فتركز على معالجة التحديات البيئية المرتبطة ببحيرة الأربعين، من خلال تحسين جودة المياه وإزالة الملوثات المتراكمة، وإعادة تشكيل الحوض المائي وتطوير بنيته التحتية بما يضمن استدامته البيئية ويعزز دوره الحضري داخل النسيج التاريخي للمنطقة.
وفي المرحلة الثالثة، ينتقل المشروع إلى بناء وجهة ثقافية وسياحية جديدة تشمل مرسى لليخوت، ومساحات خضراء، وجسورًا للمشاة، وساحات عامة ومرافق خدمية وثقافية، بما يعيد الحياة إلى الواجهة البحرية ويعزز مفهوم المدينة القابلة للمشي والتفاعل الإنساني. تمثل بحيرة الأربعين أحد أهم محاور المشروع وأكثرها تأثيرًا في مستقبل جدة التاريخية، إذ تتقاطع فيها الأبعاد البيئية والعمرانية والثقافية ضمن رؤية تنموية متكاملة.
وفي هذا الإطار يعمل برنامج جدة التاريخية على تطوير مشروع حديقة بحيرة الأربعين لتتحول إلى وجهة حضرية مفتوحة ومنطقة جذب للزوار من داخل جدة وخارجها. وتقع الحديقة في الجهة الشمالية من المنطقة التاريخية، وتحتضن خمسة مجسمات فنية أبدعها فنانون عالميون، ما يمنحها بعدًا ثقافيًا وفنيًا يتجاوز الوظيفة الترفيهية التقليدية.
ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تعزيز الحركة الاقتصادية والسياحية في محيط المنطقة التاريخية، التي تستقطب سنويًا مئات الآلاف من الزوار الراغبين في استكشاف حكايات جدة القديمة وعمارتها الفريدة وأسواقها التاريخية.
كما يهدف المشروع إلى تحويل بحيرة الأربعين إلى بيئة حضرية متكاملة تعكس التوازن بين المحافظة على التراث وتحقيق الاستدامة البيئية، في إطار جهود الحفاظ على مكانة جدة التاريخية بوصفها أحد أهم المواقع السعودية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 2014، وبما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مدن أكثر جودة واستدامة وحيوية.
تكمن القيمة الحقيقية للمشروع في كونه يتجاوز مفهوم التطوير الساحلي التقليدي إلى استعادة الذاكرة المكانية للمدينة. فإعادة البحر إلى جدة التاريخية تعني إعادة قراءة تاريخ المدينة من زاويته الأصلية، حيث شكلت الموانئ والأرصفة والأسواق البحرية منظومة متكاملة صنعت هوية المكان عبر مئات السنين.
كما يمنح المشروع الزوار فرصة معايشة العلاقة التاريخية بين المدينة والبحر، من خلال ربط المواقع التراثية بالمشهد الساحلي الذي كان جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية لسكان جدة على مر العصور، الأمر الذي يثري التجربة الثقافية ويعزز فهم التاريخ ضمن سياقه المكاني الحقيقي.
ولا تقتصر آثار المشروع على حماية التراث وإعادة تأهيل البيئة العمرانية، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وسياحية وثقافية واسعة، إذ يُتوقع أن يسهم في تنشيط الحركة الاستثمارية والتجارية في محيط جدة التاريخية، وخلق فرص جديدة للأنشطة الإبداعية والثقافية والسياحية.
كما يعزز مكانة المنطقة التاريخية بوصفها وجهة عالمية قادرة على استقطاب المهتمين بالتراث والثقافة والعمارة التاريخية، من خلال تقديم نموذج متوازن يجمع بين صون الموروث الحضاري وتطوير البيئة الحضرية الحديثة.
وفي جوهره، لا يسعى مشروع الواجهة البحرية إلى إنشاء كورنيش جديد أو إضافة مرافق ترفيهية فحسب، بل إلى استعادة جزء مفقود من ذاكرة المدينة. إنه مشروع يعيد البحر إلى المكان الذي صنع تاريخ جدة، ويعيد وصل الأجيال الجديدة بالمشهد الذي تشكلت حوله حكايات التجار والبحارة والحجاج عبر قرون طويلة.
ولهذا يبدو المشروع أقرب إلى عملية ترميم للهوية منه إلى مشروع إنشائي؛ فحين يعود البحر إلى «البلد»، لا تستعيد جدة واجهتها البحرية فقط، بل تستعيد واحدة من أعمق طبقاتها التاريخية وأكثرها حضورًا في وجدانها الثقافي، لتواصل أداء دورها بوصفها مدينةً صنعتها البحر، وما زال البحر جزءًا من مستقبلها.