«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في الثقافة السعودية، لا تعيش الإبل في الصحراء وحدها، بل تقيم أيضًا في الذاكرة والقصيدة والوجدان. فهي ليست مجرد كائن ارتبط بتاريخ الجزيرة العربية، بل رمز حضاري رافق الإنسان في رحلته الطويلة مع المكان، وحمل معه حكايات الترحال والصبر والبقاء، حتى غدت صورتها جزءًا من الهوية الثقافية التي ما زالت تتجدد عبر الأجيال.
ومن هذا الإرث الغني تنطلق مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ضمن برنامجها الثقافي لعام 2026، للاحتفاء باليوم العالمي للإبل من خلال ورشة عمل بعنوان «الإبل في اللوحة الفنية بين التجريد والواقعية»، يقدمها الفنان التشكيلي السعودي عمر يوسف الراشد مساء السبت 27 يونيو في فرع الخدمات وقاعات الاطلاع بخريص.
وتأتي الورشة بوصفها محاولة لقراءة الإبل خارج إطارها التراثي التقليدي، والنظر إليها كأحد أهم الرموز البصرية التي ألهمت الفنانين والكتّاب والشعراء عبر التاريخ. فالإبل التي عُرفت طويلًا بأنها «سفينة الصحراء» لم تكن مجرد وسيلة للانتقال أو موردًا للعيش، بل تحولت مع الزمن إلى رمز ثقافي وجمالي يعكس علاقة الإنسان السعودي ببيئته وقيمه وتاريخه.
وتناقش الورشة حضور الإبل في الأعمال الفنية كمصدر للإلهام، وتتناول فلسفة الجمال المرتبطة بالمنظور والتكوين والمساحة داخل اللوحة، إلى جانب قراءة العلاقة بين اللون والضوء والظل، وكيف يمكن للفنان أن يوازن بين الواقعية التي تحفظ تفاصيل المشهد، والتجريد الذي يفتح الباب أمام التأويل والخيال.
ويقدم هذه الرؤية الفنان التشكيلي عمر يوسف الراشد، الذي ارتبطت تجربته الفنية بمحاولة استنطاق المكان السعودي وتحويل عناصره الثقافية إلى لغة بصرية معاصرة. ففي أعماله تتكرر مفردات صحراء نجد، وبيوت الشعر، والإبل، والعمارة التاريخية، لا باعتبارها موضوعات تراثية جامدة، بل بوصفها رموزًا حية تحمل ذاكرة المكان وروح الإنسان.
ويرى الراشد أن الفن لا يبدأ من العين وحدها، بل من التأمل العميق في المعنى. لذلك لا يتعامل مع اللوحة بوصفها صورة تُشاهد، بل بوصفها نصًا بصريًا يمكن قراءته كما تُقرأ الرواية أو تُستمع إليه كما تُستمع مقطوعة موسيقية. فلكل لون في اللوحة دلالته، ولكل مساحة صمتها الخاص، ولكل خط حكايته التي تتجاوز حدود الشكل إلى فضاءات الشعور والذاكرة.
ومن هذا المنطلق، لا تظهر الإبل في أعماله بوصفها عنصرًا من عناصر البيئة الصحراوية فحسب، بل باعتبارها رمزًا للجمال والصبر والكرامة والارتباط بالأرض. فهي تمثل في المخيال السعودي أكثر من مجرد كائن تاريخي؛ إنها صورة مكثفة لعلاقة الإنسان بالمكان، وشاهد على ثقافة تشكلت عبر قرون من التفاعل مع الصحراء وتحولاتها.
وتنسجم هذه الرؤية مع المكانة التي تحتلها الإبل في الثقافة الوطنية، حيث ظلت حاضرة في الشعر العربي، والأمثال الشعبية، والسرديات الشفوية، قبل أن تنتقل إلى فضاءات الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي والفنون المعاصرة. وبذلك أصبحت الإبل واحدة من أكثر الرموز قدرة على التعبير عن الهوية السعودية واستحضار ملامحها الثقافية في خطاب بصري حديث. ويكتسب تنظيم هذه الورشة دلالة خاصة بالتزامن مع اليوم العالمي للإبل، الذي يوافق الثاني والعشرين من يونيو من كل عام، باعتباره مناسبة دولية للاحتفاء بالدور الحضاري والثقافي والاقتصادي الذي لعبته الإبل في حياة الشعوب. أما في المملكة العربية السعودية، فإن الإبل تمثل ركيزة من ركائز الذاكرة الوطنية، وعنصرًا حاضرًا في مشاريع حفظ التراث وصناعة الهوية الثقافية وتعزيز الوعي بالموروث المحلي.
وفي جوهرها، لا تبدو هذه الورشة درسًا في الرسم بقدر ما تبدو دعوة للتأمل في أحد أكثر الرموز التصاقًا بالسردية السعودية. فحين تنتقل الإبل من فضاء الصحراء إلى فضاء اللوحة، فإنها لا تفقد معناها الأول، بل تكتسب معاني جديدة تجعلها قادرة على عبور الزمن؛ من حياة الأسلاف إلى خيال الفنانين، ومن الذاكرة الجمعية إلى التعبير الإبداعي المعاصر.
هكذا تتحول الإبل من كائن رافق القوافل في رحلاتها القديمة إلى فكرة جمالية وثقافية متجددة، تؤكد أن الهوية الحية ليست ما يُحفظ في المتاحف فقط، بل ما يظل قادرًا على إلهام الفن وإنتاج المعنى وصناعة الجمال.