وائل العتيبي - تبوك:
في لحظة تتراجع فيها المسافات بين المركز والهامش الثقافي، تواصل جمعية السينما إعادة رسم خريطة العرض السينمائي في السعودية عبر برنامجها المتنقل «شاشتنا»، الذي يحط رحاله هذه المرة في تبوك يومي 24 و25 يونيو 2026، حاملاً معه مجموعة من الأفلام القصيرة التي لا تكتفي بالحكي، بل تفتح أسئلة حول الإنسان، والذاكرة، والطفولة، والتقنية، والهوية.في هذه المحطة، لا تبدو السينما مجرد شاشة تُعرض عليها الأفلام، بل تتحول إلى فضاء لقاء يتقاطع فيه الجمهور مع التجربة الفنية خارج قاعات العرض التقليدية، داخل مساحة ثقافية تستضيفها جمعية بصير للفنون، وبشراكة مع نادي ألوان السينما و«سبر»، في امتداد واضح لفكرة أن السينما لا تُشاهد فقط... بل تُعاش.
سينما صغيرة... بأسئلة كبيرة
برنامج تبوك يجمع أفلاماً قصيرة من السعودية والإمارات، لكن ما يوحدها ليس الجغرافيا، بل انشغالها بالإنسان في لحظاته الهشة والمعقدة.
فيلم «نور» للمخرج ثابت المعولي، يعيد تشكيل العلاقة بين الطفل ورغبته البسيطة في الاحتفاظ بحمامة، في مواجهة سلطة الأب والبيئة المحيطة، كأنما يسائل معنى الملكية الأولى للرغبة والبراءة معًا.
وفي «الروشان» للمخرج محمد الأوس، يتحول العنصر المعماري التقليدي في البيوت السعودية إلى نص بصري عن الضوء والهواء والذاكرة، حيث لا يُقدَّم «الروشان» كزخرفة، بل كفلسفة عيش تحفظ علاقة الإنسان بالمكان.
أما فيلم «حامض حلو» لأحمد الحساوي، فينقل المتلقي إلى واحة الأحساء، حيث لا تكون الأرض مجرد خلفية، بل كائنًا يفاوض الفلاحين بين شح الماء وقسوة المناخ، في سردية تمزج الألم بالأمل الزراعي.
وفي بعد إنساني أكثر هشاشة، يقدّم «أنا بخير» لفيصل الزهراني حكاية طفل أخرس يتشبث بدميته قبل أن يكتشف معنى الفقد، في معالجة تختبر الصمت بوصفه لغة بديلة للصدمة.
بين الطفولة والفكرة والذكاء الاصطناعي
لا تغيب الطفولة عن البرنامج، لكنها تظهر هنا كمساحة لاختبار العالم. في فيلم «قن» لمجتبى زكي الحجي، يتحول موقف بسيط إلى سلسلة من ردود الفعل الطفولية التي تكشف هشاشة العلاقات الأولى مع الجماعة.
وفي «علكة» لبلال البدر، تتجسد لحظة الاكتشاف الأولى لمشاعر الحب بلغة بسيطة، يقابلها العمل الوثائقي الذي يحمل الاسم نفسه للمخرج عبدالرحمن الأنصاري، ليقدّم طبقة موازية من التأمل حول صناعة الفيلم ذاته، من الفكرة إلى التشكل.
أما فيلم «جهير» لمحمد الزهراني، فيدخل منطقة أكثر راهنية، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي طرفًا في معادلة الإبداع، لا مجرد أداة، بل سؤالًا مفتوحًا حول حدود الإنسان داخل العملية الفنية.
وفي «توريت» لعبدالله الهجن، تتجسد التحديات الاجتماعية من خلال شخصية شاب يعيش مع متلازمة توريت، في مواجهة يومية مع العمل ونظرة المجتمع، حيث يتحول الجسد نفسه إلى مساحة قراءة اجتماعية.
الهشاشة الإنسانية كخيط خفي
تتجلى في البرنامج أيضًا مقاربات أكثر هدوءًا للحياة اليومية؛ ففي «سليق» لأفنان باويان، نقترب من امرأة مسنة تعيش وحدها، في لحظة اختبار بسيط يكشف استقلاليتها وهشاشتها في آن واحد.
أما «بيضة تمردت» لسلطان ربيع، فيعيد الكوميديا إلى بدايتها الأولى: المفارقة، حيث يتحول صباح عادي إلى سلسلة أحداث غير متوقعة، كأن الحياة نفسها تتعثر في تفاصيلها الصغيرة.
السينما كمسار ثقافي لا كعرض فقط
محطة تبوك ليست حدثًا منفصلًا، بل جزء من مشروع أوسع تقوده جمعية السينما عبر «شاشتنا»، الذي يقوم على فكرة نقل الفيلم من مركز العرض التقليدي إلى مساحات ثقافية محلية، بما يجعل المشاهدة تجربة اجتماعية لا ترفًا بصريًا.
هنا، لا تُقدَّم الأفلام بوصفها منتجات فنية مكتملة فقط، بل كمسارات تفكير مفتوحة، تتغير دلالاتها مع كل جمهور ومكان، وكأن الشاشة تتحول إلى مرآة تتبدل صورتها بحسب من يقف أمامها.
تقام العروض يومي 24 و25 يونيو 2026، من الساعة 7:00 حتى 9:00 مساءً، والدعوة عامة، مع الإشارة إلى أن المقاعد محدودة والدخول بحسب أسبقية الحضور.