«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في المشهد الفني الخليجي، هناك فنانون يحيون الحفلات، وهناك فنانون تتحول حفلاتهم إلى مناسبات وجدانية تستحضر الذاكرة والهوية والعلاقة الممتدة بين الفنان وجمهوره. ومن هذا النوع جاءت عودة الفنان السعودي راشد الماجد إلى الكويت بعد غياب استمر ست سنوات، ليؤكد مجددًا أن الأغنية الخليجية ما زالت قادرة على صناعة لحظات استثنائية تتجاوز حدود المسرح.
ثلاث ليالٍ متتالية احتضنها مسرح «الأرينا الكويت»، لم تكن مجرد حفلات غنائية مكتملة العدد، بل كانت احتفاءً متبادلًا بين فنان وجمهور طال انتظارهما لبعضهما بعضا، فمنذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن الاشتياق كان البطل الحقيقي لهذه العودة، وهو ما عبّر عنه راشد الماجد نفسه حين وصف العلاقة بينه وبين جمهوره الكويتي بأنها سر النجاح الذي تحقق في الليالي الثلاث.
النجاح الجماهيري الكبير لم يكن مفاجئًا لمن يعرف مكانة راشد الماجد في الوجدان الخليجي؛ فقد نفدت التذاكر تباعًا، وأضيفت حفلات جديدة استجابة للطلب المتزايد، فيما تصدرت حفلاته ومنصاتها الرقمية اهتمامات الجمهور، لتؤكد أن حضوره الفني لا يزال يحتفظ ببريقه وتأثيره رغم عقود طويلة من العطاء.
وخلال أمسياته الثلاث، قدّم الماجد رحلة موسيقية عبر أبرز محطات تجربته الفنية، متنقلًا بين الأغنيات التي شكّلت جزءًا من الذاكرة الخليجية المعاصرة، ومضيفًا مفاجأة لافتة حين قدّم للمرة الأولى أغنية «أبي تسمعني»، وهي عمل ظل محفوظًا في أرشيفه لأكثر من خمسة عشر عامًا قبل أن يرى النور أمام جمهور الكويت.
لكن أحد أكثر المشاهد دفئًا وإنسانية في هذه الزيارة لم يكن على المسرح، بل خارجه، فقد شهدت مأدبة أقامها الأستاذ سالم الهندي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة روتانا للموسيقى، حضور الفنان الكبير عبدالله الرويشد، في ظهور لاقى ارتياحًا واسعًا بين جمهوره ومحبيه في السعودية والخليج.
وقد بدا «سفير الأغنية الخليجية» بصحة جيدة ومعنويات مرتفعة، وسط أجواء أخوية جمعت نخبة من الفنانين وصناع الموسيقى والأصدقاء، في مشهد حمل رسائل محبة وطمأنينة لكل من تابع خلال الفترة الماضية أخبار الرويشد واهتم بصحته. وكان ظهوره محل ترحيب واسع، بوصفه أحد أهم الأصوات التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الغنائية الخليجية على مدى عقود.
وتكشف هذه اللحظة جانبًا من القيم التي لطالما ميزت المشهد الفني الخليجي؛ حيث تتجاوز العلاقة بين الفنانين حدود المنافسة إلى روابط إنسانية وثقافية عميقة، تُبقي الفن مساحة للتقدير والوفاء قبل أن يكون مساحة للنجاح والشهرة.
وفي ختام زيارته، عبّر راشد الماجد عن امتنانه لما وجده من حفاوة وتقدير، مؤكدًا أن كرم أهل الكويت ومودتهم ليسا أمرًا مستغربًا، في إشارة تعكس عمق الروابط الثقافية والاجتماعية التي تجمع الشعبين السعودي والكويتي.
هكذا لم تكن حفلات راشد الماجد الثلاث مجرد نجاح فني جديد يُضاف إلى مسيرته الطويلة، بل كانت أيضًا مناسبة للاحتفاء بالأغنية الخليجية، وتجديد العهد بين الفنان وجمهوره، ونافذة اطمأن من خلالها محبو عبدالله الرويشد على واحد من أبرز رموز الفن الخليجي، في مشهد اختلطت فيه الموسيقى بالمحبة، والنجاح بالوفاء.