في عالم تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، لم يعد النظر إلى المستقبل ترفاً فكرياً، بل ضرورة تفرضها تعقيدات الواقع. غير أن الاستشراف والتنبؤ، في حقيقتهما العلمية، لا يقومان على اليقين، بل على الاحتمال؛ إذ يعتمدان على تحليل الاتجاهات، واستقراء الوقائع، وبناء نماذج تفسيرية تستند إلى الماضي لفهم ما قد يكون. فالعلم لم يعد يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يقر بتعدد السيناريوهات، وبأن المفاجآت والقرارات الفردية قادرة على تغيير المسار في أي لحظة. هنا تتجلى أهمية التاريخ بوصفه الأساس الذي تنطلق منه كل قراءة مستقبلية رشيدة. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل هو مستودع للأنماط، ومرآة تعكس سلوك الدول وكيفية إدارتها للصراع والتحالف والتهديد. ومن خلاله يمكن بناء فهم أعمق للعقل السياسي، واستيعاب الثوابت التي تتكرر عبر الزمن، حتى وإن تغيرت الأدوات والوسائل.
عند النظر في العلاقة مع إيران في امتدادها التاريخي، تتضح هذه الحقيقة بجلاء. ففي مطلع القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، وبعد التحول الذي أعقب هزيمة الشاه إسماعيل الصفوي الأول في معركة جالديران (2 رجب 920هـ/ 23 أغسطس 1514م) أمام السلطان العثماني سليم الأول، أعادت الدولة الصفوية صياغة خياراتها متجهة نحو التحالف مع قوى خارجية، في مقدمتها البرتغاليون الذين كانوا يبسطون سيطرتهم على ممرات التجارة في المحيط الهندي والخليج العربي منذ مطلع القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، بل سعت إلى التنسيق مع قوى أوروبية أخرى في محاولة لتشكيل جبهة موحدة ضد خصومها في الإقليم. هذا السلوك لم يكن مجرد استجابة ظرفية، بل يعكس نمطاً استراتيجياً قائماً على توظيف القوى البعيدة لمواجهة الخصم القريب، حتى وإن استدعى ذلك تقديم تنازلات سيادية أو بناء تحالفات غير منسجمة حضاريا. وقد امتد هذا التوجه إلى محاولة إضفاء شرعية دينية على هذه التحالفات، بما يكشف عن تداخل عميق بين العقيدة والسياسة في صناعة القرار.
لم تقف هذه التحالفات عند حدود التوازن السياسي، بل حملت أبعاداً أشد خطورة؛ إذ تضمنت مشاريع تستهدف الحجاز ومقدساته. فقد كان البرتغاليون يخططون لاقتحام البحر الأحمر والوصول إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو مخطط كان الصفويون على علم به، ويعلمون بأهداف البرتغاليين في الاستيلاء على مكة المكرمة والمدينة المنورة ونبش قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، غير أنهم مضوا في تحالفهم مع البرتغاليين ضد البلاد الإسلامية والعربية الأخرى، في سياق يكشف عن تلاقي المصالح الاستراتيجية مع الطموحات التوسعية مدفوعة تارة بدوافع دينية وأخرى سياسية واقتصادية. غير أن هذه المشاريع تعثرت بفعل عوامل متعددة، من أبرزها التصدي العسكري لها من بعض القوى الإسلامية المعاصرة والمقاومة المحلية في بعض سواحل الحجاز، ومنها جدة التي حاولت البرتغال غزوها منذ 1513م، وبلغت محاولاتها ذروتها في حصارها 1517، لكنها فشلت. وفي 1541م قاد «استيفاو دا غاما» حملة في البحر الأحمر، إلا أن الحامية العسكرية والقوى المحلية نجحوا في صد الهجوم وحماية مدينة جدة. وكذلك تعرضت موانئ في البحر الأحمر للخطر مثل سواكن، وكذلك عدن وعمان. وهذه أحداث يضيق علينا الوقت في هذا المقال تتبعها وإيضاحها بشكل دقيق ومفصل، إلا أن المقاومة إضافة إلى اختلال موازين القوى البحرية لغير صالح البرتغاليين، وبعض الظروف السياسية في البرتغال وايران، جعل أهداف هذا التحالف غير قابلة للتحقيق، وأصبحت رمالاً تذروها الرياح. بالمقابل، كانت نجد تعيش طوراً مختلفاً من التاريخ في تلك الحقبة ذاتها؛ إذ كانت إمارة الدرعية التي أسسها مانع بن ربيعة المريدي عام 850هـ / 1446م كياناً محلياً محدود الإمكانات، في بيئة يغلب عليها ضعف التدوين والعزلة النسبية. ولم يكن غياب التوثيق لمواقفها من تلك الأحداث دليلاً على غياب الوعي، بل انعكاس لطبيعة المرحلة. غير أن هذا الطور التأسيسي تحول لاحقاً إلى مشروع سياسي متكامل مع قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود (1139هـ / 1727م)، التي سعت إلى توحيد الداخل وبناء كيان قادر على فرض السيادة ومواجهة التحديات.
هنا تتضح مفارقة استراتيجية مهمة؛ فبينما اعتمدت بعض القوى على إدارة مخاطرها عبر التحالفات الخارجية، اتجهت قوى أخرى إلى بناء مناعتها من الداخل عبر التوحيد وتعزيز الاستقرار. وهما مساران مختلفان في التعامل مع المخاطر السياسية؛ أحدهما يقوم على التوازنات، والآخر على ترسيخ القوة الذاتية. في السياق المعاصر، أصبحت إدارة المخاطر السياسية علماً قائماً بذاته.
** **
- د. سعيد عبدالله علي جفشر