أصعب الأيام وأمرها على الإنسان عندما يمر بلحظة الوداع؛ نعم، لحظة الوداع أمرها على الإطلاق، لأنه سوف يعاني من ألم الوداع ولوعته على مر السنين، وخاصة عندما يكون هذا الوداع وداعا أبديا لا أمل في لقيا من ودعتهم ولو لمجرد لحظات؛ ففجأة، وبدون سابق إنذار، كلمح بالبصر، نسلب أجمل وأغلى ما نملك في هذه الحياة الدنيا.
لم أكن من الذين يقفون أمام الشمس وهي تعلن نهاية يوم وبداية يوم جديد لتثير في نفسي وأنفسهم أشجانا قد دفنت على مر السنين، ولكن ذلك اليوم، الاثنين 29-12-1447هـ، كان يوما مختلفا، نعم مختلفا؛ فقد شدني ذلك المنظر الرهيب، ووقفت أتأمله والدهشة تغمرني كأنني أرى مغيب الشمس ولأول مرة في حياتي القصيرة هذه، فقد كانت هذه الشمس تعلن نهاية نهار وبداية ليل جديد، نهاية عام وبداية عام جديد، وأن هذا العام ذهب ولن يعود، وذهب معه أخي وانتهت حياتنا معه، وبدأت حياتنا بدونه. وقفت أتأمل: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، ربما تأتي لحظة وداعك لهذه الحياة كما حدث لأحبتك.
كتب أحد السلف إلى أخ له: (يا أخي، يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقا حثيثا؛ الموت موجه إليك، والدنيا تطوى من ورائك، وما مضى من عمرك فليس بكار عليك حتى يكر عليك يوم التغابن).
وهنا تأكدت أنه ما زال لدي فرصة لا بد من اغتنامها، وتذكرت كلمات العقاد: «إن في الحياة ألما كثيرا، وأن سرور الحياة أكبر من ألمها، ولكن الحياة نفسها أكبر من كل ما فيها من الألم والسرور».
فالحمد لله، ما زلنا عملهم الصالح الذي تركوه خلفهم. اللهم ثبتنا بالقول والعمل الصالح في الحياة الدنيا وعند الممات؛ يا من فقدنا، استودعناكم الله وموعدنا الجنة بإذن الله.
حَيِّ تِلْكَ القُبُورَ وَسَاكِنِيهَا
مِنَ الأَحْبَابِ دَهْراً قَاطِنِيهَا
أَوْصِلْ سَلَامِي وَأَشْوَاقِي إِلَيْهَا
وَحُبِّي وَعِشْقِي لِمَنْ بَاتَ فِيهَا
أَبْلِغْهَا بِأَنَّ القَلْبَ مُنْقَاداً إِلَيْهَا
لِيَحْكِيَ لَهْفَة شَوْقاً لِنَازِلِيهَا
فَدَمْعُ العَيْنِ سَالَ مِنْ مَآقِيهَا
لِذِكْرَى وَفَاةِ مَنْ رَحَلُوا إِلَيْهَا
هِيَ الدُّنْيَا أَيَّامٌ سُوَيْعَاتٍ وَعَابِرِيهَا
رَضِينَا أَمْ أَبَيْنَا وَإِنْ طَالَتْ لَيَالِيهَا
نَعِيشُ الحَيَاةَ وَيَفْنَى كُلُّ مَنْ فِيهَا
فَنَحْنُ السَّائِرُونَ كَمَا سَارُوا إِلَيْهَا
لَنَا فِي اللَّيْلِ سِهَامٌ نُبَارِيهَا
لَعَلَّ اللهَ يَغْفِرُ لَنَا خَوَافِيهَا
حَيِّ تِلْكَ الدِّيَارَ وَنَازِلِيهَا
مِنَ الغَالِينَ عُمْراً سَاكِنِيهَا
أمواتنا، لا نبكيكم اعتراضاً، ولكن نبكيكم حباً واشتياقاً؛ اللهم ارحم أبي وأخي واغفر لهما وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واكتب لنا ولمن غابوا عن دنيانا عناقاً عند أبواب الجنة.
** **
- أ. خديجة سليمان الهلالي