الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد الدكتور عبدالعزيز بن إبراهيم العُمري الباحث وأستاذ السيرة النبوية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً أن تتبع سيرة نبينا المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام جزء من حقه علينا وعلامة حقيقية لمحبته ومحبة اللّه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (31) سورة آل عمران، وذلك لما فيها من معرفة ما كان عليه من تجسيدٍ حي للإسلام، في تطبيق عملي لأحكامه، وبَذْل للنفس والمال في سبيل اللّه والدعوة له، مشيراً إلى أنه أفضل البشر سيد وَلَدِ آدم، وبدراسة سيرته نلبي الحاجة عند الناس لمعرفة العظماء فهو أولهم، وهنا لا بُدَّ من التأكيد على أن غير المسلمين جعلوا النبي أبرز البشر، فكيف بنا نحن أتباع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، الذين ينبغي ألا نقدم أي إنسان عليه ولا نتعلم سيرة أحد من البشر قبله.
وقال الدكتور عبدالعزيز العُمري أستاذ السيرة النبوية في حديثه لـ «الجزيرة»: إن اللّه تعبد الأمة الإسلامية من خلال القرآن الكريم بدراسة حياة الأنبياء السابقين وسنن اللّه في الأمم الماضية تبعا لموقفهم من أنبيائهم ودعوتهم للّه، وقد جعلهم نبراسا يُحتذى وذكرًا يتلى، وقدوة وتثبيتًا لرسوله، وبالتالي فقصص النبي وسيرته تثبيت لمن يتعلمها من المسلمين وتربية للأمة، وعلم لا غنى عنه للمسلم إلى يوم القيامة، كما أن دراسة سيرته يتعلم الإنسان الثقة بالله وأن لله سننًا ثابتة ينصر فيها الحق ويخذل الباطل، وأن العاقبة للمتقين وأن وعد اللّه تعالى لنبيه وقد تحقق حمايته ونصره وتمكينه على من اعتدى عليه وظلمه، وأن مكر اللّه لنبيه ونصره قائم إلى قيام الساعة، كما أن في دراسة سيرته امتثالاً لأمر اللّه وعبودية له، قال -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21) سورة الأحزاب، فهو معلمنا الأول بأمر اللّه {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} (151) سورة البقرة، والتأسّي لا يكون إلا بعلم؛ فهو قدوة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر من سائر الأمة ونُذكر أنه بدون علم لا يمكن التأسّي.
وشدد الدكتور عبدالعزيز العُمري بقوله: في دراسة السيرة النبوية تحقيق لمحبته المُقدّمةٌ على النفس ومحبته محبة لأخلاقه وفضائله، محبة المُحْسَن إليه مقرونة بالثناء والإجلال والتقدير، كيف لا وإحسانه قائم للمسلمين وللإنسانية جميعًا إلى يوم القيامة، بما حمل لهم من هداية اللّه، فمحبته أعظم وأسمى مراتب المحبة ونقدر له كم بذل من نفسه في سبيل اللّه، ومن ماله، ومن دمه، ومن أحبابه وأقاربه وأهله ومن وطنه، ويتبين لنا فضل اللّه على نبيه وفضله - سبحانه - علينا، بدراسة السيرة نتعلم صدقًا لا زورًا كما يحدث لبعض الشخصيات، كما أننا نصل إلى تفصيلات وحقائق لا تتوفر لغيره؛ فالمسلمون عندهم شمول الحديث عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ودقائق الأمور في حياته وهذا دليل على محبة الأمة لنبيها، وبدراسة السيرة نتعرف على كتاب اللّه، فحياة الرسول صلى الله عليه وسلم مليئة بالأحداث التي نزلت فيها آيات من كتاب اللّه في مناسبات مختلفة، كما أن بعض أسماء العديد من سور القرآن الكريم ارتبطت بأحداث السيرة، ودراسة سيرته تعطي الإنسان تصورًا صحيحًا عما ورد في كتاب اللّه من أسباب النزول، وبالتالي كأنه يعيش عصر النبي لعصرهم وإن بعُد زمانًا ومكانًا عنهم.
وأبان الدكتور عبدالعزيز العُمري أستاذ السيرة النبوية: إن في دراسة السيرة معرفة لجيل الصحابة وفضلهم وتنمية محبتهم ومعرفة درجاتهم فيعرف السابقين إلى الإسلام من هؤلاء الصحابة، والمبشَرين بالجنة منهم، وأصحاب بدرٍ وبيعة الرضوان وفضلهم، ويربط إسلامهم وأعمالهم بالسيرة النبوية وأحداثها؛ فهم تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم الذين كان منهم خلفاء راشدون، وقادة محنكون وسياسيون وأبطال فتحوا وقادوا العالم وأظهروا فيه العدل والتوحيد والرحمة، وبدراسة السيرة نعرف الخصائص النبوية التي أنعم اللّه بها على رسوله المصطفى ووجوب اتباعه وما له من حقوق وأن ما جاء به الحق، ذكره دائم، قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (4) سورة الشرح، والرحمة للعالمين، قال -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (107) سورة الأنبياء. ختم اللّه به الأنبياء، أُيِّدَ بالمعجزات والبينات والبراهين والكرامات، صلى اللّه عليه والملائكة وأمر العباد بذلك، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) سورة الأحزاب، كما أن دراسة السيرة النبوية تقوي عزائم المؤمنين وتعلمهم الصبر وتفتح لهم الأمل بانتصار الحق على الباطل، وبغلبة دين اللّه على ما سواه وبالقوة بعد الضعف وبأن اللّه ناصر دينه ونبيه وأمته إلى يوم الدين، وفيها استظهار لحقائق كثيرة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ودرء الشبهات عنها بعيدًا عن المغرضين وجهالة العوام.