د. حسين علي غالب بابان
لم أستغرب عندما علمت أن ألمانيا سمحت باستخدام الحشيش ولكن بكميات قليلة جدًا ومحددة للاستخدام الشخصي فقط، لأن أغلب الدول الأوروبية ومعها دول أمريكا اللاتينية باتت لا تهتم بالحشيش ما دام يُستخدم بكميات قليلة وليس بغرض المتاجرة به.
وأنا في بريطانيا وجدت الكثيرين يدخنون الحشيش بشكل علني دون الاهتمام بأحد، رغم أنه ما يزال مخالفًا قانونيًا.
الحقيقة أنه منذ السبعينيات، بات الكثيرون يدعون إلى السماح بالحشيش ومن بينهم شخصيات مشهورة ومرموقة، حتى أن الأمر وصل إلى أن نجد أطباء يقولون إن استخدام الحشيش بكميات قليلة أقل ضررًا من تدخين السجائر على صحة الإنسان، وصدقًا لا أعرف من أين جاءوا بهذه المعلومة ومع أن هذه المسألة ما تزال محل جدل علمي بين الباحثين والأطباء، فإن الأصوات المطالبة بتخفيف القيود على الحشيش أو تقنينه تزداد عامًا بعد عام.
أما منظمة الصحة العالمية، التي كانت خلال فترة وباء كورونا حاضرة بقوة في المشهد العالمي من خلال التحذيرات والتوصيات والإرشادات، فنجدها اليوم أقل حضورًا في النقاش الدائر حول الحشيش ولا نكاد نرى منها سوى بيانات متفرقة بين فترة وأخرى، وهو ما يثير تساؤلات لدى كثيرين حول دورها في هذا الملف.
يجب أيضًا أن أذكر أن شخصيات لبنانية وكذلك شخصيات مغربية، دعت إلى السماح بزراعة الحشيش في أراضيها بحجة أن هذه الزراعة ناجحة ومربحة وتوفر فرص عمل لكثير من الأيدي العاملة، فضلًا عن إمكانية الاستفادة منها في بعض الصناعات الدوائية.
كما أن رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو كان من أبرز الداعمين لتقنين الحشيش في كندا، وقد أوفت حكومته بهذا الوعد عندما شرّعت استخدامه ضمن إطار قانوني منظم، أما في الولايات المتحدة فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في عدد الولايات التي سمحت باستخدام الحشيش أو زراعته بدرجات متفاوتة، وسط جدل سياسي واجتماعي مستمر بين المؤيدين والمعارضين.
إننا نقف اليوم أمام تيار كاسح من مؤيدي زراعة الحشيش وتعاطيه، وهذا التيار بات يضم دولًا كبرى لا يُستهان بها، وفي المقابل ما تزال هناك أصوات كثيرة تحذر من آثاره الصحية والاجتماعية، خاصة على فئة الشباب، التي تمثل النسبة الأكبر من سكان العديد من دولنا.
من هنا تبرز الحاجة إلى نقاش جاد ومسؤول، بعيدًا عن الشعارات والمواقف المسبقة، يوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والصحية لهذه القضية، فنحن إذا أخطأنا في تقدير آثارها بعيدة المدى قد نجد أنفسنا أمام تحديات أكبر مما نتوقع، وسنكون من أكثر الشعوب دفعًا للثمن.