الصادق جاد المولى
تبدو الكتابة عن الملك سلمان بن عبدالعزيز امتحانًا للقلم قبل أن تكون مدخلًا إلى السيرة، فاللغة التي ألفت الاحتفاء تضيق أحيانًا عن الرجل حين تقيسه بالمناسبات، أو تحصره في المنصب، أو تعبر به من طريق الثناء المألوف، ونحن هنا أمام سيرة لا يكفي أن تقرأ من موقع الحكم وحده لأنها صنعت معناها قبل ذلك في بيت الحكم، وفي مدرسة التاريخ، وفي تجربة الرياض، وفي أدب الكتاب، وفي ذلك الفهم العميق للدولة حين تكون ذاكرة ومسؤولية وخلقًا في آن واحد.
الملك سلمان لا تمنحه الألقاب ما ليس فيه، ولا تضيف إليه المناصب معنى غائبًا عنه، فهو من أولئك الرجال الذين تصير المناصب في سيرتهم محطات كاشفة، لا مصادر تعريف، فإذا اقتربت من تجربته رأيت أن الزمن لم يكن عددًا من الأعوام، كان مادة تهذيب وصقل، تمضي على بعض الناس فتزيد أعمارهم، وتمضي على بعضهم فتزيد بصيرتهم، وقد مضت سنوات سلمان الطويلة في الحكم والإدارة حتى غدت خبرة ساكنة في الطبع، وطبعًا ظاهرًا في القرار، وقرارًا مشدودًا إلى معنى الدولة.
في شخصيته مؤرخ لا يتعامل مع التاريخ كخزان حكايات، وقارئ لا يرى الكتاب زينة مجلس، وإداري يعرف أن المدينة لا تنمو بالخرائط وحدها، وأب يدرك أن تربية العقل جزء من تربية الإنسان، وحاكم حفظ للهيبة مقامها من غير أن يطرد الرحمة من بابها، وهذه الوجوه لا تقف متجاورة كأنها صفات مرصوصة في بيان، فهي تتداخل في بناء واحد، كل وجه يضيء الآخر، وكل معنى يرد إلى أصل عميق في الرجل.
أول هذا الأصل ذاكرة لا تشبه الحنين، فالحنين يلتفت إلى الماضي كي يستريح، أما ذاكرة الملك سلمان فتلتفت إليه كي تفهم وتزن وتستبصر، ومن يعرف التاريخ معرفة الرجال لا معرفة الهوامش يقرأ الحاضر بعين أهدأ، ويميز بين اللمعة العابرة والمعدن الأصيل، ويعرف أن الدولة التي تنسى طريقها الأول تتعثر في طريقها المقبل، لذلك تبدو صلته بالتاريخ صلة عمل لا صلة زخرف، فهو يحفظ الوقائع لأن وراءها طبائع، ويحفظ الرجال لأن في سيرهم مفاتيح للأيام، ويحفظ بدايات الدولة لأن البدايات هي الضمير الذي يرافق النهايات.
هذه الذاكرة وجدت امتحانها الأكبر في الرياض، فلم تكن الرياض في حياة الملك سلمان ملفًا مفتوحًا على مكتب أمير، كانت مدينة تنمو تحت عينه، وتتسع في مدار مسؤوليته، وتخرج شيئًا فشيئًا من ملامحها الأولى إلى صورة العاصمة الكبرى، والمدن لا تكشف سرها لمن يمر فوقها في موكب، تكشفه لمن يطيل الإقامة في تفاصيلها، ويعرف حركة أحيائها، ويصغي إلى حاجات أهلها، ويرى في الطريق والمرفق والسوق والمدرسة حياة يومية لا أرقامًا في تقرير.
وجاء من الرياض ذلك الحس الإداري الذي يميز الملك سلمان، عين على التفصيل من غير غرق فيه، وعين على الاتجاه الكبير من غير تحليق ينسى الأرض، وهذه معادلة نادرة في الإدارة العامة، لأن كثيرًا من المسؤولين تبتلعهم الجزئيات حتى تضيع عنهم الصورة، وكثيرًا منهم تسحرهم الصورة حتى تفلت منهم الجزئيات، وتجربة الملك سلمان في الرياض جمعت الصبر على البناء، والانتباه إلى الإنسان، والقدرة على تحويل العمران من مشروع حجارة إلى نظام حياة.
ومع المدينة كان الكتاب حاضرًا في التكوين، فالقراءة عند الملك سلمان لم تكن ترفًا ثقافيًا، كانت رياضة عقلية وأدبًا في النظر، والقارئ الحقيقي لا يكثر من الكتب كي يطيل الكلام، يكثر منها كي يقل خطؤه، وتتهذب فراسته، ويتسع صدره لاختلاف الأزمنة والناس، ومن هنا جاءت تلك السكينة التي لا تشبه البطء، وتلك الدقة التي لا تشبه التردد، وتلك القدرة على الإصغاء إلى الزمن قبل إصدار الحكم عليه.
وفي البيت يكتمل وجه آخر من وجوه هذه السيرة، فأن يجعل الأب الكتاب عادة في حياة أبنائه، وأن يسألهم عما قرأوا، فذلك درس يتجاوز القراءة إلى صناعة المسؤولية، فالطفل الذي يسأل عن كتابه يتعلم أن المعرفة عهد، وأن الفكرة أمانة، وأن العقل لا يترك هملاً، وهذه التربية لا تظهر آثارها في اليوم التالي، لكنها تمكث طويلًا في الأعماق، ثم تخرج بعد أعوام في طريقة النظر، وفي جرأة القرار، وفي احترام النظام، وفي الإيمان بأن المستقبل لا يصنعه الاندفاع وحده.
ويمكن من هذه الزاوية فهم الامتداد بين سلمان الأب ومحمد بن سلمان ولي العهد، فالرؤى الكبرى لا تولد في الفراغ، والمشروعات التي تغير وجه الزمن لا تظهر فجأة من لحظة سياسية عابرة، وراءها بيت، وكتاب، وسؤال، وتاريخ، وشعور مبكر بأن المعرفة مسؤولية لا زينة، وما نراه اليوم من حركة سعودية واسعة نحو المستقبل يحمل في عمقه أثر تلك المدرسة التي احترمت الجذر، وأحسنت مخاطبة العصر، وجعلت الطموح عملًا منظمًا لا أمنية معلقة.
ولعل هذا ما يمنح التجربة السعودية الحديثة معناها الأعمق، فهي لا تهرب من الماضي كي تدخل المستقبل، ولا تقيم في الماضي كي تفقد المستقبل، إنها تسير وفي يدها ذاكرة، وفي عينها أفق، والملك سلمان يمثل هذا المعنى في صورته الهادئة الراسخة، حاكم يعرف أن الهوية ليست قيدًا على التقدم، وأن التاريخ ليس حملًا على الكتف، وأن المعرفة ليست ترفًا على هامش الحكم، وأن الدولة القوية هي التي تمضي إلى الغد من غير أن تخجل من أمسها.
كما أن في شخصيته حزم لا يفتعل الصخب فهو عنده انتظام في القرار، ووضوح في الطريق، وإيمان بأن هيبة الدولة شرط من شروط الطمأنينة، وليست الهيبة قسوة إذا صدرت عن معرفة وعدل وتجربة، فهي السياج الذي يحمي الناس من الفوضى، ويحمي التنمية من الارتجال، ويحمي القرار من اضطراب الهوى، لذلك يجيء الحزم في شخصية الملك سلمان مطمئنًا لا منفّرًا، صلبًا لا جافًا، واضحًا لا متكلفًا، ولم يلغ هذا الحزم وجه الإنسان فيه، ففي الملك سلمان وفاء عربي قديم، يعرف أقدار الرجال، ويحفظ للخدمة حقها، ويمنح العهد مكانته، والقيادة حين تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى جهاز بارد، والرحمة حين تفقد انضباطها تتحول إلى عاطفة عابرة، أما اجتماع المقامين فهو ما يمنح الشخصية اكتمالها، هيبة في موضع الهيبة، ولطف في موضع اللطف، ووفاء لا يحتاج إلى إعلان كي يثبت.
لهذا لا تصلح القراءة السهلة لفهم الملك سلمان، فالقراءة الأجدى أن ننظر إليه بوصفه بناء طويلًا من التاريخ والمدينة والكتاب والبيت والحكم، وكل عنصر من هذه العناصر يشرح شيئًا من شخصيته، ثم يعود ليتصل بغيره في نسيج واحد، فالمؤرخ يمنح الحاكم ذاكرته، والقارئ يمنح الإداري اتساع نظره، والمدينة تمنح رجل الدولة خبرته بالناس، والأب يمنح المستقبل طريقته في التكوين، والإنسان يمنح الهيبة دفئها.
صحيح قد يبدو عنوان هذا المقال في ظاهره أدبيًا، غير أنه أقرب إلى تشخيص سياسي وإنساني لرجل لا تفسره صفة مفردة، ففي سيرته دليل على أن الدولة لا يصنعها القرار وحده، تصنعها الذاكرة حين تتحول إلى بصيرة، والتجربة حين تصير منهجًا، والكتاب حين يصير تربية، والمدينة حين تصير أمانة، والحزم حين يصير عدلًا، والوفاء حين يصير خلقًا في الحكم.
ومن هنا جاءت مكانة الملك سلمان في الوجدان السعودي، فهي لم تأت من المنصب وحده، فقد جلس على المناصب كثيرون في تواريخ الأمم، ولكنها جاءت من هذا الاجتماع النادر بين عمق الجذر واتساع الأفق، بين مهابة الدولة ودفء الإنسان، بين ذاكرة المؤرخ وصبر البنّاء، والرجال الكبار لا تشرحهم الألقاب، تشرحهم الآثار التي يتركونها في الزمن، نظامًا يطمئن إليه الناس، وذاكرة تعرف الطريق، وأثرًا يبقى بعد أن تسكت العبارات.