د. عبدالمحسن الرحيمي
تشير التقارير الدولية إلى أن الاستثمار في البحث العلمي والابتكار أصبح أحد أهم مؤشرات القوة الوطنية في القرن الحادي والعشرين. فقد تجاوز الإنفاق العالمي على البحث والتطوير مستويات غير مسبوقة، وأصبحت الجامعات، ومراكز الفكر، والاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، من أهم أدوات التنافس بين الدول. ومع ذلك، فإن المتأمل في هذه المؤشرات يلحظ أنها تقيس حجم الإنفاق، وعدد الباحثين، والإنتاج العلمي، وبراءات الاختراع، لكنها لا تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية: متى تتحول التجربة الوطنية إلى معرفة تضيف إلى الفكر الإنساني؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية، التي تعيش واحدة من أسرع تجارب التحول في العالم. فقد شهدت السنوات الأخيرة مشروعات كبرى، وتطورًا اقتصاديًا، وحراكًا ثقافيًا، واستثمارات واسعة في الابتكار والذكاء الاصطناعي، إلى جانب توسع غير مسبوق في قطاعات الثقافة، والترفيه، والسياحة، والرياضة، وجودة الحياة. وأصبحت المملكة وجهة لوفود أكاديمية، وصحفيين، ومستثمرين، وخبراء، يأتون لمشاهدة هذه التجربة عن قرب، ومحاولة فهم ما يحدث فيها.
لكن المشهد يكشف عن ملاحظة تستحق التأمل. فكثير ممن يزورون المملكة يغادرون وهم يحملون صورًا واضحة عن حجم المشروعات، بينما تبقى الصورة أقل وضوحًا فيما يتعلق بالفلسفة التي تقف خلفها، أو الإطار الفكري الذي يجمع هذه التحولات في مشروع وطني واحد. وليس السبب قصورًا في اهتمام الباحث أو الصحفي الأجنبي، بل لأن التجارب الكبرى لا تُقرأ بالمشاهدة وحدها، وإنما تحتاج إلى أدبيات علمية، ومفاهيم تفسيرية، ونماذج معرفية تساعد الآخرين على فهمها ضمن سياقها الحقيقي.
وهنا يبرز، في تقديري، أحد أهم التحديات العلمية في المرحلة المقبلة، وهو الانتقال من تنفيذ التجربة إلى تأصيلها معرفيًا. فالتجارب الوطنية لا تصبح جزءًا من المعرفة الإنسانية لمجرد نجاحها، وإنما عندما يعاد تحليلها، وتوثيقها، وصياغتها في مفاهيم وأطر تفسيرية يستطيع الباحث في جامعة آسيوية، أو الصحفي في صحيفة أوروبية، أو الطالب في جامعة أمريكية، أن يقرأ من خلالها هذه التجربة، ويفهم منطقها، ويقارنها بغيرها من التجارب.
لقد نجحت المملكة في بناء واقع جديد، لكن بناء الأدبيات العلمية التي تفسر هذا الواقع لا يزال بحاجة إلى جهد أكبر. ولا أقصد بذلك كثرة الكتب أو المقالات، وإنما إنتاج المعرفة التي تتجاوز الوصف إلى التفسير، وتتجاوز متابعة الأحداث إلى بناء المفاهيم. فالفارق كبير بين أن نصف مشروعًا ناجحًا، وبين أن نستخلص منه نموذجًا معرفيًا يمكن أن يثري الفكر العالمي.
ومن هنا، فإن مسؤولية الباحث السعودي لم تعد تقتصر على النشر العلمي، أو تحقيق متطلبات الترقية الأكاديمية، على أهميتها، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يمكن أن تضيفه التجربة السعودية إلى المعرفة الإنسانية؟ إن هذا السؤال هو الذي يميز بين الباحث الذي يوثق الواقع، والباحث الذي يسهم في بناء الفكر.
ولعل المرحلة المقبلة تستدعي إعادة النظر في مفهوم البحث العلمي نفسه. فالإنتاج البحثي يظل ضرورة أساسية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق. فكل تجربة وطنية تحمل في داخلها أفكارًا كامنة، ونماذج قابلة للتطوير، ومفاهيم تنتظر من يعيد اكتشافها وصياغتها. وهنا تتحول الجامعة من مؤسسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تنتج الأفكار، ويتحول الباحث من ناقل للمعرفة إلى شريك في بنائها.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المملكة أصبحت مؤهلة للانتقال إلى مرحلة جديدة، يمكن تسميتها مرحلة الإطار المعرفي السعودي. ولا أقصد بذلك إنتاج خطاب محلي، أو البحث عن خصوصية منفصلة عن العالم، وإنما بناء منظومة من المفاهيم والنماذج التحليلية المستمدة من التجربة السعودية، والقابلة للنقاش العلمي، والإفادة منها في سياقات دولية مختلفة. فكل تجربة ناجحة تحمل عناصر عامة يمكن أن يستفيد منها الآخرون، إذا أحسن الباحثون قراءتها وتأصيلها.
ولعل من أبرز صور هذا التحول ظهور محاولات فكرية تسعى إلى إنتاج مفاهيم جديدة في مجالات متعددة، سواء في القيادة، أو الثقافة، أو الإعلام، أو الأدب، أو إدارة التحولات. ولا ينبغي النظر إلى هذه الاجتهادات بوصفها أفكارًا شخصية، بل باعتبارها بداية لمرحلة يصبح فيها إنتاج المفهوم جزءًا من مسؤولية الباحث، تمامًا كما أصبح إنتاج البحث العلمي جزءًا من مسؤولياته الأكاديمية. فقيمة أي مفهوم جديد لا تقاس بمن أطلقه، وإنما بقدرته على الصمود أمام النقد العلمي، واستيعاب النقاش، والتطور عبر الزمن.
ومن هنا، فإن بناء الإطار المعرفي السعودي ليس مهمة فرد، ولا جامعة، ولا مركز بحث واحد، بل مشروع وطني تشارك فيه الجامعات، ومراكز الدراسات، والمؤسسات الثقافية، والإعلام، والجمعيات العلمية، بحيث تتحول التجربة السعودية إلى موضوع دائم للبحث، وإنتاج المفاهيم، وإعادة القراءة. فالعالم لا يقرأ الدول من خلال أخبارها فقط، بل من خلال الأدبيات التي تفسر تجاربها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين في السنوات القادمة ليس: كم بحثًا نشرنا؟ بل: ما الفكرة التي أضفناها إلى المعرفة الإنسانية؟ فالأبحاث تتراكم، لكن المفاهيم هي التي تصنع المدارس الفكرية، وتؤسس للحقول العلمية، وتمنح التجارب الوطنية حضورها الممتد في الذاكرة الأكاديمية.
إن المملكة تمتلك اليوم تجربة ثرية في القيادة، والإدارة، والثقافة، والتنمية، والاقتصاد، والتحول المؤسسي، وهي تجربة تستحق أن تُقرأ من داخلها، لا أن تُفسر دائمًا من خلال نماذج صيغت في بيئات مختلفة. وهذا لا يعني الانغلاق على الذات، بل يعني الإسهام في المعرفة العالمية من خلال تجربة وطنية ناضجة، تمامًا كما أسهمت تجارب دول عديدة في إثراء الفكر الإداري، والاقتصادي، والاجتماعي انطلاقًا من واقعها الخاص.
إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة زيادة عدد الكتب التي تتحدث عن المملكة، بل مرحلة إنتاج الأدبيات التي تجعل العالم يقرأ المملكة قراءةً أعمق. فحين تتحول التجربة الوطنية إلى إطار معرفي، ويتحول الإنجاز إلى مفهوم، يصبح أثره أبعد من حدود الجغرافيا، وأكثر بقاءً من زمن المشروع نفسه. وعندها لا تكون المملكة قد نجحت في بناء تجربة تنموية رائدة فحسب، بل تكون قد أسهمت أيضًا في بناء معرفة جديدة، تضيف إلى الفكر الإنساني، وتفتح آفاقًا أوسع لفهم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.