صالح الشادي
يندرج السؤال عن بدايات الطباعة العربية في سياق واسع، يتعلق بكيفية انتقال النص التاريخي من صدور الرواة إلى دواوين المدونين، ثم من المخطوطات الشحيحة المتفرقة إلى النسخ المطبوعة المتداولة. غير أن هذه الرحلة المعرفية، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تحول تقني في وسيلة النقل، تنطوي في جوهرها على إشكالات منهجية عميقة، تتصل بطبيعة الرواية التاريخية نفسها، وبمدى موثوقية ما وصلنا من أخبار، وبإمكانية التمييز بين ما كتبه المؤرخ الأول وما أضافه إليه النساخ والمحققون عبر القرون.
تبدأ المفارقة من حقيقة أن أولى المحاولات الجادة لطباعة النصوص العربية لم تنبثق من قلب الحواضر الإسلامية، بل انطلقت من أوروبا المسيحية، وتحديداً من الأديرة الإيطالية في أواخر القرن الخامس عشر، حيث طُبع أول كتاب يحتوي على أبجدية عربية، ثم تلته محاولات في البندقية وروما، قبل أن تنتقل الفكرة إلى إسطنبول حيث قوبلت برفض سلطوي وديني، وظلت المطبعة العربية حبيسة المخاوف زمناً طويلاً، حتى دخلت بلاد الشام عبر البعثات التبشيرية، ومصر مع حملة نابليون، واستقرت أخيراً في مطبعة بولاق التي أصبحت منارة النشر الحديث. لكن الأعمق من هذا المسار المادي، هو السؤال عن المخطوطات التي اعتمد عليها الطابعون الأوائل، سواء كانوا مستشرقين في لايدن وباريس، أو علماء في القاهرة، فقد تنوعت مصادرهم بين مكتبات المشرق التي نُهبت أو بيعت في أوقات المحن، وبين ما اقتنوه في رحلاتهم الاستشراقية، وبين النسخ الرهبانية.
وهذه المخطوطات نفسها، وهي الأساس الذي قامت عليه كل طبعة لاحقة، لم تكن محايدة أو بريئة، بل كانت نتاج سلسلة طويلة من النسخ والتناقل عبر القرون، حملت خلالها آثار أيدي النساخ التي أخطأت أو تعمّدت التغيير، وأضافات الشارحين التي اختلطت بالمتن، وتصرفات الورّاقين التي خدمت أهواء الزبائن، فجاءت المطبعة لتجمّد أحد أشكال النص وتنشره على أنه «النص النهائي»، مع أن ما جُمّد ليس سوى صورة واحدة من صور متعددة، كثير منها ضاع، وكثير لا يزال ينتظر من ينقبه في خزائن المكتبات المنسية.
وهذا الواقع يقودنا إلى جوهر الرواية التاريخية ذاتها، فالتاريخ الإسلامي، كغيره من تواريخ الأمم، لم يكتبه ملائكة معصومون، بل كتبه بشر لهم انتماءاتهم القبلية والمذهبية والسياسية، يعيشون في ظروف متوترة، وكان من الطبيعي أن تنعكس كل هذه العوامل على ما دوّنوه. ولذلك نشأ علم الجرح والتعديل كاستجابة نقدية واعية لظاهرة الوضع والتحريف، فسعى النقاد إلى فحص الأسانيد ونقد المتون، ولكن هذه المنهجية، مع دقتها، بقيت أداة نسبية تخضع لاجتهادات نقادها المنقسمين إلى مدارس واتجاهات، فكيف بنا إذا انتقلنا من دائرة الحديث النبوي المحفوف بالضوابط إلى دائرة التاريخ السياسي والأدبي الأوسع، حيث المصالح أكبر والرقابة أقل؟ هنا تتضاعف الإشكالية، وتصبح الروايات المتخالفة عن الحدث الواحد هي القاعدة، فنحن أمام رواية عراقية عن موقعة الجمل، وأخرى بصرية، وثالثة شامية، وكل واحدة تحمل قراءة مختلفة، وهذا التعدد لا ينبغي أن نتعامل معه كدليل على فشل المنهج التاريخي، بل هو مادة خصبة تتيح للمؤرخ الناقد أن يقارن ويحلل، وأن يضع كل رواية في سياقها الاجتماعي ليفهم لماذا قيلت بهذه الصورة، وهكذا يتحول التناقض الظاهري إلى مفتاح لفهم تعقيد الماضي وثرائه.
وتبرز هنا حقيقة قاسية لكنها مشروعة، وهي أن المنتصر هو من يكتب التاريخ، لأنه يمتلك الصوت الأعلى وأدوات الترويج، فيرسخ سرديته في الوعي الجمعي، بينما تظل رواية الخاسر في الهامش، وقد تضيع مع الزمن. ولعل أصدق مثال على ذلك هو العلاقة بين الرواية العباسية والأموية، فقد عمل العباسيون، الذين أطاحوا بالأمويين، جاهدين على تشويه صورة بني أمية وتقديم دولتهم على أنها انحراف عن الجادة الإسلامية، بينما صوروا ثورتهم على أنها نهضة واستعادة للحق، وقد رسخت هذه الصورة السلبية في الوعي العربي لقرون. ولكن هل نجحوا في الطمس الكامل؟ الإجابة هي لا، فالتراث الشعري، وخاصة شعر النقائض، يحمل أصواتاً أخرى، وفي كتابات مؤرخين كالمسعودي وابن خلدون نجد محاولات للإنصاف، والأعجب أن النصوص العباسية نفسها تفضح نفسها بتناقضاتها الداخلية، ففي ثنايا التشنيع على الأمويين تبرز تفاصيل عن إنجازاتهم الإدارية والعمرانية والفنية، وكأن الحقيقة، مهما حاولت القوة تزييفها، تفلت من قبضة الراوي، وتختبئ بين السطور، بانتظار من يستنطقها.
وفي بحر هذه الإشكاليات المتشابكة، من إدخالات النساخ إلى تزييف الولاة، ومن اختلاف المذاهب إلى ذاتية الراوي، قد يسقط المرء في فخ الريبية المطلقة، فيعتقد أن كل التاريخ مجرد أوهام، ولكن هذا الموقف، على راحته الظاهرية، هو موقف غير علمي وغير منتج. فالتاريخ ليس حلماً جماعياً، بل هو حقل معرفي له أدواته وقواعده، والمطلوب هو موقف نقدي يعترف بالهشاشة ولكنه لا يستسلم لها، موقف يقرأ رواية المنتصر بعين السؤال، ورواية الخاسر بعين الإنصاف، ويمحص كل خبر بسياقه، ويكشف طبقات الإدخالات التي علقت به، مدركاً أن الحقيقة ليست لقمة سائغة، بل عملية بحث مستمرة، تتطلب الصبر والأناة، وتستند إلى منهجية علمية رصينة، تجمع بين النقد الداخلي والنقد الخارجي، وبين دراسة السياقات ومقارنة المرويات، وبين الاعتراف بحدود المعرفة والإصرار على توسيعها.
اتحدث هنا من واقع تخصصي كحائز على درجة الدكتوراه في التاريخ، وأمضيت بعض السنوات في دراسة المصادر ومقارنة الروايات، وكل يوم كان يمضي وانا على مقاعد الدراسة وما بعدها كان يزيدني إيماناً بأن متعة التاريخ وتحديه يكمنان في هذه الرحلة المفتوحة، رحلة البحث عن حقيقة قد تظل عصية، لكن السعي نحوها هو ما يمنح الحياة الفكرية معناها، ويجعل من القراءة والتحقيق مغامرة لا تنضب، ويذكرنا بأن الإنسان، وهو يسجل تاريخه، إنما يسجل رحلته مع الحقيقة، تلك الرحلة التي لا تنتهي.