د. علي بن عالي السعدوني
يُعد كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد واحدًا من أكثر الكتب تأثيرًا في الفكر الإنساني المعاصر؛ لأنه لم يكتفِ بإعادة قراءة العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب، وإنما سعى إلى مساءلة الأسس المعرفية التي قامت عليها الدراسات الغربية عن الشرق، وإلى الكشف عن الصلات العميقة التي جمعت بين المعرفة والسلطة، وبين البحث الأكاديمي والمصالح السياسية والاستعمارية، وهو ما جعله نقطة تحول كبرى في النقد الثقافي ودراسات ما بعد الاستعمار، وأثار في الوقت نفسه نقاشات واسعة لم تتوقف حتى اليوم داخل الجامعات ومراكز البحث في مختلف أنحاء العالم.
لقد أصاب إدوارد سعيد حين لفت الانتباه إلى أن المعرفة ليست دائمًا نشاطًا علميًا معزولًا عن سياقه التاريخي، وإنما قد تتحول إلى أداةٍ تسهم في تشكيل الصور الذهنية عن الشعوب والثقافات، وقد تُستخدم لتبرير مشاريع الهيمنة السياسية والاقتصادية، فالتاريخ الاستعماري الأوروبي يقدم شواهد عديدة على توظيف الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية والجغرافية في خدمة التوسع الإمبراطوري، وعلى العلاقة الوثيقة التي نشأت بين المؤسسات العلمية والإدارات الاستعمارية، وهي حقيقة يصعب إنكارها عند قراءة تاريخ القوى الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
غير أن قوة أطروحة سعيد لا تعني أنها بمنأى عن النقد؛ لأن انتقاله من نقد نماذج استشراقية محددة إلى الحديث عن الاستشراق بوصفه خطابًا غربيًا يكاد يكون موحدًا أدى إلى قدرٍ من التعميم، وكأن آلاف الباحثين الذين انتموا إلى مدارس فكرية ولغوية وتاريخية مختلفة كانوا يتحركون وفق رؤية واحدة، ويتبنون الأهداف نفسها، ويصدرون عن النيات ذاتها مع أن الواقع الأكاديمي يكشف عن تباينات كبيرة بين المستشرقين سواء في مناهجهم أو في مواقفهم من الشرق أو في طبيعة أعمالهم العلمية.
كما أن سعيد ركز بصورة واضحة على البعد السياسي للاستشراق حتى بدا أحيانًا وكأن القيمة العلمية لكثير من الدراسات اللغوية والتاريخية والنقدية قد ذابت بالكامل داخل المشروع الاستعماري، بينما تشير الوقائع إلى أن عددًا من المستشرقين قدموا خدمات علمية لا يمكن تجاهلها تمثلت في تحقيق المخطوطات العربية، وجمع النصوص التراثية، ودراسة اللهجات، وفهرسة المكتبات، وإحياء مؤلفات كان من الممكن أن تضيع مع الزمن، وهي جهود لا يسقط جانبها العلمي لمجرد أن أصحابها ينتمون إلى بيئة ثقافية غربية كما أن الاستفادة منها لا تعني القبول بجميع تصوراتهم الفكرية أو أحكامهم الحضارية.
ومن الإشكالات التي أثارتها أطروحة سعيد أيضًا أنها جعلت العلاقة بين الشرق والغرب تبدو في كثير من المواضع علاقةً أحادية الاتجاه يكون فيها الغرب دائمًا منتجًا للخطاب، ويكون الشرق دائمًا موضوعًا لهذا الخطاب بينما يكشف التاريخ عن وجود تفاعلات أكثر تعقيدًا شارك فيها مفكرون ومترجمون وعلماء من الشرق في صناعة المعرفة العالمية، وأسهموا في التأثير في الفكر الأوروبي بقدر ما تأثروا به مما يجعل العلاقة الحضارية بين الطرفين أكثر تشابكًا من الصورة الثنائية التي يقوم عليها التقابل بين الشرق والغرب.
ويلاحظ كذلك أن مفهوم الشرق عند سعيد جاء واسعًا إلى درجة أنه جمع تحت عنوان واحد مجتمعات تختلف في أديانها ولغاتها وأعراقها وتواريخها وتجاربها السياسية كما جمع الغرب في إطار ثقافي واحد على الرغم من التباينات الفلسفية والسياسية الكبيرة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهو ما دفع عددًا من الباحثين إلى التساؤل حول مدى صلاحية هذه الثنائية في تفسير جميع أشكال التفاعل الحضاري عبر القرون.
ومع ذلك تبقى القيمة الفكرية الكبرى لكتاب الاستشراق في أنه دفع الباحثين إلى إعادة النظر في مفهوم الموضوعية العلمية، وإلى التساؤل عن الخلفيات الثقافية التي تؤثر في إنتاج المعرفة، وعن الدور الذي تؤديه اللغة في تشكيل الصور النمطية، وعن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المفاهيم الأكاديمية إلى أدوات تؤثر في السياسات الدولية وفي إدراك الشعوب بعضها لبعض، وهي أسئلة أسهمت في تجديد الدراسات الإنسانية، ووسعت آفاق النقد الثقافي، وأعادت الاعتبار إلى أهمية مراجعة المسلمات التي ظلت لعقود طويلة تبدو حقائق لا تقبل النقاش.
إن القراءة المنصفة لأطروحة إدوارد سعيد لا تقتضي التسليم المطلق بكل ما ذهب إليه كما لا تقتضي رفضها جملةً وتفصيلًا، وإنما تستدعي التعامل معها بوصفها مشروعًا نقديًا فتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير في علاقة المعرفة بالسلطة، وفي مسؤولية الباحث تجاه موضوعه، وفي حدود التأثير المتبادل بين الثقافة والسياسة مع الإقرار في الوقت نفسه بأن أي مشروع فكري مهما بلغت قيمته يظل اجتهادًا إنسانيًا قابلًا للمراجعة والتطوير والنقد، وأن الحقيقة العلمية تزداد رسوخًا كلما اتسع مجال الحوار، وتعددت زوايا النظر، وتحررت الدراسات الأكاديمية من الأحكام المسبقة سواء صدرت من الشرق أم من الغرب.