فائز بن سلمان الحمدي
إن البيت، في معناه، ليس جدرانًا أربعةً وسقفًا يستظل به الناس، ولكنه قطعةٌ من القلب بُنيت بالحجارة، وجزءٌ من الروح اتخذ لنفسه صورةً من الطين والخشب. فإذا دخله الحب اتسع، ولو كان كوخًا، وإذا فارقته الرحمة ضاق، ولو كان قصرًا منيفًا. ولقد جعل الله للأسرة سرًّا من أسراره، وآيةً من آيات قدرته، فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}. فتأمل كيف بدأ بالسكن قبل المودة؛ لأن القلب المتعب لا يطلب أول ما يطلب إلا موضعًا يأوي إليه، وروحًا تسكن إليها نفسه.
فإذا وجد السكينة نبتت المودة في ظلالها، وأثمرت الرحمة من أغصانها. ولكن الناس يخطئون حين يظنون أن البيوت إنما تُشاد بالمال، وأن السعادة تُقتنى بالأثاث، وأن راحة النفس تُشترى بالدنانير. وما علموا أن الله قسم الأرزاق كما قسم الأقدار، وأنه سبحانه لم يجعل الغنى عنوان الرضا، ولا الفقر أمارة الشقاء، بل جعل السعادة سرًّا في القلب لا يملكه إلا الراضون.
قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وقال جل شأنه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}. فكم من غنيٍّ يبيت على وسائد الحرير وقلبه مضطربٌ كالموج، وكم من فقيرٍ يضع رأسه على وسادةٍ من قشٍّ وقلبه ساكنٌ، كأنه في روضةٍ من رياض الجنة.
وإن أكثر ما يفسد البيوت أن ينسى الإنسان ما في يده، ويتطلع إلى ما في أيدي الناس؛ فيدخل الشيطان عليه من نافذة المقارنة، فيسرق منه نعمة الرضا قبل أن يسرق منه نعمة المال. وما المقارنة إلا خصومةٌ بين الإنسان وقَدَر الله، واعتراضٌ خفيٌّ على قسمته، وسوء أدبٍ مع حكمته. وقد أدبنا القرآن فقال: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وأدبنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».
وما أتعس الإنسان حين يملك النعمة ثم يعمى عنها! يملك بيتًا يؤويه، وعافيةً تكسوه، وأهلًا يلتفون حوله، ثم يظن نفسه محرومًا؛ لأنه رأى صورةً عابرةً في شاشة، أو مشهدًا مزخرفًا في حياة غيره. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». فأي دنيا بعد الأمن؟ وأي كنز بعد العافية؟ وأي نعمة بعد الكفاية؟ ثم إن هذه الشاشات التي دخلت البيوت بغير استئذان قد صارت، في كثيرٍ من الأحيان، تُري الناس زينة الحياة ولا تُريهم حقيقتها؛ تعرض لهم الثمرة ولا تعرض لهم الشجرة، وتبدي لهم الضحكات ولا تبدي لهم الدموع، وتصور لهم النعيم ولا تصور لهم الآلام. فخرج الناس من بيوتهم ينظرون إليها بأعين الساخطين، بعد أن كانوا ينظرون إليها بأعين الشاكرين. وهنا تبدأ الخصومة. تبدأ بكلمةٍ صغيرة، ثم تستحيل جدارًا من الجفاء. وتبدأ بمطلبٍ يسير، ثم تصير نارًا تأتي على المودة كلها. ويجد الشيطان حينئذٍ منفذًا إلى القلوب، وهو الذي لا يفرح بشيءٍ فرحه بتفريق الزوج عن زوجه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يهرب الرجل من بيته، لا لأنه يكره أهله، ولكن لأنه فقد فيه دفءَ الاستقبال، وأنس المجالسة، وبشاشة الوجوه؛ فيغدو غريبًا في وطنه، ووحيدًا بين أهله، فيلتمس في الطرقات ما افتقده في البيت.
وقد يبقى آخر في بيته، ولكنه يبقى مقاتلًا لا زوجًا، ومخاصمًا لا أنيسًا؛ يخاصم في الصغيرة والكبيرة، ويستقصي الحقوق استقصاء الدائن لغريمه، حتى تتحول المودة إلى معاملة، والرحمة إلى حساب. وكلا الرجلين خاسر؛ فهذا هرب بجسده وقلبه، وذاك بقي بجسده وغاب قلبه.
أما المرأة الصالحة فهي سكينة الدار إذا اضطربت، ومصباحها إذا أظلمت، وربيعها إذا أجدبت. تجعل من القليل كثيرًا، ومن الضيق سعةً، ومن الشدة أملًا.
وإذا كانت المرأة قلب البيت، فإن الرجل عموده وسياجه، وما قام بيتٌ إلا بقلبٍ رحيم وعمودٍ متين.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم سرَّ العمران الأسري كله في كلمةٍ واحدة فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فما أحسب الفضائل كلها إلا شرحًا لهذه الكلمة، وما أرى حسن الخلق إلا تفسيرًا لها. ثم إن البيوت لا يحفظها شيءٌ مثل التغافل؛ فإن التدقيق في الزلات يفسد المحبة، واستقصاء الحقوق يذهب المودة، وليس في الناس كامل، ولا في الطباع مستقيمٌ لا عوج فيه. وقد قيل: «من فتش عن صديقٍ بلا عيب عاش بلا صديق»، فكيف بمن يفتش عن زوجٍ بلا نقص، أو أسرةٍ بلا تقصير؟
إن الدنيا لم تُخلق لتصفو، وإنما خُلقت لتُبتلى فيها النفوس، وليتعلم الإنسان فيها الرضا والصبر والعفو. وأما الكمال الذي يطلبه الناس، والنعيم الذي لا يشوبه نقص، والصفاء الذي لا تكدره الأيام، فليس ههنا، إنما هو هناك... حيث لا خصومة ولا هجر، ولا دمعة ولا وجع، ولا قلب مكسور ولا روح مثقلة؛ حيث يقول الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}. فيا أهل البيوت، ترفقوا؛ فإن الرفق زينة الحياة. وتسامحوا؛ فإن التسامح صدقة القلوب.
وتغافلوا؛ فإن التغافل أدب الكبار. واشكروا؛ فإن الشكر قيد النعم.
وارضوا؛ فإن الرضا جنةٌ معجلةٌ في الأرض قبل جنة السماء.
واحفظوا بيوتكم؛ فإن البيت إذا تصدع لا يسمع أنينه إلا أهله، وإذا انطفأ سراجه لا يرى ظلمته إلا ساكنوه. وإن الكلمة الطيبة قد تبني بيتًا، والكلمة الجارحة قد تهدم عمرًا.