د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
تكاد تكون هذه العبارة واحدة من أكثر العبارات تداولًا في بعض المجالس: «خذ الثانية». تُقال أحيانًا على سبيل المزاح، وتُطرح أحيانًا باعتبارها نصيحة جادة، وتتحول في بعض المناسبات إلى وصفة جاهزة لكل مشكلة زوجية أو ضيق نفسي أو ملل عاطفي أو خلاف عابر داخل الأسرة.
يشكو رجل من كثرة المسؤوليات، فيأتيه من يقول: خذ الثانية. ويشتكي آخر من روتين الحياة، فيسمع العبارة ذاتها. ويختلف زوج مع زوجته في أمر من أمور الحياة اليومية، فيجد من يبادره بالحل السريع: خذ الثانية. وكأن هذه الكلمتين قادرتان على إزالة التعقيدات، ومعالجة المشكلات، وصناعة السعادة بضغطة زر.
والحقيقة أن القضية أكبر من ذلك بكثير.
فالزواج الثاني في الشريعة الإسلامية ليس مغامرة اجتماعية، ولا قرارًا عاطفيًا مؤقتًا، ولا مشروعًا للوجاهة أو التفاخر أو إثبات الذات، بل هو مسؤولية جديدة تضاف إلى مسؤوليات قائمة، وحقوق إضافية تضاف إلى حقوق واجبة، وأمانة أخرى يسأل عنها الإنسان أمام الله قبل أن يسأل عنها أمام المجتمع.
لقد أباح الإسلام التعدد لحكم عظيمة ومصالح متعددة، وراعت الشريعة من خلاله ظروفًا إنسانية واجتماعية متنوعة، ولذلك بقي هذا التشريع جزءًا من منظومة الإسلام التشريعية التي تتسم بالواقعية والمرونة ومراعاة أحوال الناس المختلفة.
غير أن الإباحة شيء، والقدرة على تحمل التبعات شيء آخر تمامًا.
فالقرآن الكريم لم يذكر التعدد مجردًا من القيود، وإنما قرنه بشرط عظيم تتوقف عليه سلامة التجربة واستقرارها، وهو العدل، قال تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)، وكأن الآية الكريمة تضع الجميع أمام سؤال جوهري: هل تملك القدرة على العدل فعلًا؟
فالعدل ليس كلمة جميلة تردد في بداية الطريق، بل هو التزام يومي طويل، يبدأ بالنفقة ولا ينتهي عند المشاعر، ويمر بالسكن والاهتمام والرعاية والوقت والحقوق المعنوية والنفسية، ويحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والنضج والانضباط.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل أستطيع الزواج مرة أخرى؟ بل هل أستطيع تحمل مسؤولية الزواج مرة أخرى؟
هناك فرق كبير بين القدرة على عقد الزواج، والقدرة على إدارة أسرتين بصورة عادلة ومتوازنة ومستقرة.
ومن المؤسف أن بعض المجالس ما زالت تتعامل مع الزواج الثاني بوصفه إنجازًا شخصيًا أو انتصارًا اجتماعيًا أو دلالة على المكانة والنجاح، بينما الحقيقة أن النجاح لا يقاس بعدد البيوت التي يملكها الإنسان، وإنما بقدرته على إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وتحمل المسؤوليات.
فالزوج الذي يعجز عن الوفاء بالتزاماته في بيته الأول، أو يثقل كاهله الدين، أو يعاني من ضعف في إدارة شؤون أسرته، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام تحديات أكبر ومشكلات أعقد مما كان يظن.
وقد تتحول الأحلام الوردية إلى ملفات نفقة، وخلافات أسرية، وصراعات بين الأبناء، وتوتر دائم ينعكس على الجميع.
وفي المقابل، ليس من الإنصاف تصوير الزواج الثاني على أنه خطأ مطلق أو ظلم حتمي أو قرار مدمر للأسرة في جميع الأحوال، فالتاريخ والواقع يقدمان نماذج ناجحة ومستقرة استطاع أصحابها القيام بحقوق الجميع بعدل وحكمة ومسؤولية.
فالمشكلة ليست في أصل التشريع، وإنما في سوء التطبيق، وضعف الاستعداد، واتخاذ القرار بدافع مؤقت أو انفعال عابر أو ضغط اجتماعي.
إن بعض الناس لا يبحث عن زوجة ثانية بقدر ما يبحث عن الهروب من مشكلة قائمة، مع أن المشكلات التي لا تُعالج في أصلها كثيرًا ما تنتقل من بيت إلى آخر، وربما تتضاعف بصورة أكبر.
فالملل لا يعالجه الانتقال من حياة إلى أخرى، وضعف الحوار لا يصلحه تعدد البيوت، والتقصير في تحمل المسؤولية لا يختفي بمجرد تغيير الظروف.
ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن يسأل الإنسان نفسه بصراحة قبل اتخاذ أي قرار مصيري: هل بذلت ما أستطيع لإصلاح الواقع الحالي؟ هل حاولت الحوار؟ هل راجعت نفسي؟ هل استشرت أهل الخبرة والرأي؟ هل أنا مقبل على بناء جديد أم على هروب مؤقت من مشكلة قائمة؟
فهذه الأسئلة أكثر أهمية من السؤال المتكرر في المجالس: هل أتزوج أم لا؟
ومن زاوية أخرى، فإن المجتمع مطالب أيضًا بالتعامل مع هذه القضية بقدر أكبر من النضج والاتزان، فلا يتحول الزواج الثاني إلى مادة للسخرية أو التندر، ولا إلى معيار للنجاح أو الفشل، ولا إلى وسيلة لإثارة المنافسات الاجتماعية.
فالأسرة أكبر من أن تكون موضوعًا للمزاح العابر، والزواج أعظم من أن يختزل في تعليق سريع أو نصيحة مقتضبة.
كما أن الزوجة الأولى ليست رقمًا في معادلة حسابية يمكن تجاوزه بسهولة، بل هي شريكة عمر، ورفيقة طريق، وأم للأبناء في كثير من الحالات، ولها من الحقوق والمشاعر والاعتبارات ما يستوجب الحكمة والإنصاف وحسن التقدير.
والرجل الناجح ليس بالضرورة من تزوج أكثر، كما أن الرجل الفاشل ليس بالضرورة من اكتفى بزوجة واحدة، فهذه أمور تختلف باختلاف الأشخاص والظروف والقدرات والاستعدادات.
إن معيار النجاح الحقيقي في الحياة الأسرية لا يرتبط بالعدد، وإنما يرتبط بجودة العلاقة، وحسن المعاشرة، والقدرة على بناء بيت يسوده الاستقرار والمودة والرحمة.
ولعل من أجمل ما يمكن أن يقال في هذا الباب أن الزواج الثاني ليس حقًا مهملًا ينبغي محاربته، وليس واجبًا اجتماعيًا ينبغي الدعوة إليه في كل مناسبة، وإنما هو خيار مشروع تحكمه الضوابط الشرعية والقدرات الواقعية والمصالح المعتبرة.
ولذلك فإن العبارة المتداولة: «خذ الثانية» تحتاج في كثير من الأحيان إلى كلمات تسبقها وأخرى تتبعها، لتصبح الصورة أكثر اكتمالًا: فكر جيدًا، وادرس واقعك، واستخر ربك، واستشر من تثق بعقله وخبرته، ثم اتخذ قرارك على بصيرة.
فالقرارات الأسرية الكبرى لا تبنى على الحماس المؤقت، ولا على ضغوط الأصدقاء، ولا على المقارنات الاجتماعية، بل تبنى على الحكمة والوعي واستحضار المسؤولية.
وفي النهاية يبقى التعدد تشريعًا إسلاميًا حكيمًا، لا يرفض بإطلاق، ولا يقدم باعتباره الحل السحري لكل المشكلات، وإنما ينظر إليه بوصفه مسؤولية عظيمة تحتاج إلى قدرة وعدل ونضج واستعداد حقيقي.
أما العبارة السريعة التي تتردد في المجالس: «خذ الثانية»، فقد تكون أحيانًا أقصر من أن تستوعب حجم القرار، وأخف من أن تحمل وزن المسؤولية، وأيسر من أن تعبر عن الطريق الطويل الذي ينتظر من يقرر أن يفتح بابًا جديدًا في حياته الأسرية.
فالزواج ليس عددًا يضاف إلى سجل الإنسان، بل أمانة يحملها، وحقوق يؤديها، ومسؤولية يسأل عنها، وصدق من قال: إن بناء البيوت يحتاج إلى حكمة أكبر من تلك التي تقال في المجالس، وإلى وعي أعمق من نصيحة تختصر الحياة كلها في كلمتين: خذ الثانية.