باسم سلامة القليطي
ليست المجالس الراقية هي التي يعلو فيها الضحك، بل هي تلك التي يأمن فيها الناس على كرامتهم. ففي كل مجلس قد تخطئ كلمة، أو تتعثر عبارة، أو تخون الذاكرة صاحبها، وهذا جزء من الطبيعة البشرية. لكن الفارق الحقيقي بين مجلس وآخر هو ما يحدث بعد تلك الزلة؛ فإما أن تمر كما تمر الغيوم، وإما أن تتحول إلى مادة للتندر، وسُلَّم يصعد عليه أحدهم بحثاً عن ضحكة عابرة.
ولعلنا جميعاً عرفنا ذلك الشخص الذي يتربص بأي خطأ لفظي، أو موقف مرتبك، ليقتنصه سريعاً ويقدمه للحاضرين في قالب ساخر، منتظراً التصفيق، ومعتقداً أنه أصبح نجم المجلس. لكنه لا يدرك أن خفة الدم لا تُقاس بعدد الضحكات، وإنما بالأثر الذي تتركه في النفوس. فالناس قد يضحكون مجاملة، لكنهم في أعماقهم يميزون بين صاحب الروح الجميلة، وصاحب الروح الثقيلة الذي لا يعرف طريقاً إلى القلوب إلا عبر كسر خواطر الآخرين. وليس كل من أضحك المجلس أسعد القلوب، فبعض الضحكات تُولد من الألم لا من الفرح.
والمفارقة أن هذا السلوك لا يعكس قوة الشخصية، بل يكشف عن نقص يحاول صاحبه إخفاءه. فالواثق بنفسه لا يحتاج إلى التقليل من غيره ليشعر بقيمته، أما من يفتقر إلى الحضور الحقيقي فإنه يستعير حضوراً مؤقتاً من إحراج الآخرين. إنه يظن أن الضحكات شهادة نجاح، بينما هي مجرد استجابة عابرة لا تعني احتراماً ولا تقديراً؛ فالكاريزما تُصنع بالأدب، والإنصات، وحُسن المعشر، لا بمهارة اصطياد الزلات. ومن عجز أن يكبر بفضائله، حاول أن يبدو كبيراً بانتقاص غيره.
وتزداد قسوة المشهد عندما يقع الإحراج أمام جماعة؛ فالخطأ الذي كان يمكن أن يمر في لحظة، يتحول إلى ذكرى مؤلمة تلازم صاحبها طويلاً.
فالإنسان بطبعه يتجاوز زلاته الخاصة، لكنه يصعب عليه أن يتجاوز الزلات التي ضحك عليها الآخرون.
لذلك فإن الإحراج العلني صورة من صور الاغتيال المعنوي؛ لأنه يهز الثقة بالنفس، ويجعل الإنسان يعيد حساباته قبل أن يتحدث. وكم من شخص آثر الصمت في المجالس، ليس لأنه قليل العِلم، بل لأن تجربة قديمة علمته أن بعض المجالس لا ترحم. وليس أقسى من خطأ يقع أمام الناس، إلا قلب يجد في ذلك الخطأ متعة.
وفي مقابل هذا السلوك، يقف أصحاب النفوس الكبيرة في الضفة الأخرى. أولئك الذين يرون الزلة ولا يكشفونها، ويسمعون الخطأ ولا يضخمونه، بل يمدون لصاحبها جسراً خفياً يعبر به إلى بر الأمان. وهذا يحتاج إلى وعي أكبر بكثير من وعي الترصد؛ فستر الناس ليس تصرفاً عفوياً دائماً، بل قرار أخلاقي يتخذه الإنسان كلما وجد نفسه قادراً على الإحراج واختار ألا يفعل. أما اصطياد الهفوات فلا يحتاج إلى ذكاء، بل إلى نفس ضيقة لا تجد ما تتغذى عليه إلا عثرات الآخرين. ولذلك فإن الفرق بين النبيل وغير النبيل ليس في قوة الملاحظة، فكلاهما رأى الزلة، وإنما في قوة الأخلاق؛ هذا استثمرها ليصغّر بها غيره، وذاك تجاوزها ليكبّر بها نفسه.
وليس هذا الخلق وليد عصرنا، بل هو من شمائل أهل المروءة التي تغنّى بها الأدباء قديماً، فقال أحدهم:
وَلَا أُرَانِي لِعَيْبِ الْجَارِ مُتَّبِعًا
وَلَا أَرُومُ لَهُ طُولَ الدُّهُورِ خَنَا
إِذَا زَلَّ زَلَّةً أَوْ خَانَهُ عَقْلُهُ
لَمْ أَتَّخِذْهَا حَدِيثًا بَيْنَنَا عَلَنَا
فما أبلغ هذه الأبيات وهي تجعل الستر عنواناً للمروءة، وتجعل الزلة حدثاً ينتهي عند وقوعه، لا قصةً تُروى في المجالس. فالنفوس الكبيرة لا تستثمر أخطاء الناس، بل تدفنها كما تُدفن العيوب التي لا يليق بالأخ أن يفضح بها أخاه.
ومن هنا جاءت قيمة التغافل الذكي؛ ذلك الخُلق الذي عدّه الحكماء من دلائل اكتمال العقل، لأنه ليس غفلة عن الخطأ، وإنما تعالٍ عنه. أن ترى الزلة ثم تؤثر أن تمضي، وأن تمنح صاحبها فرصة لينجو من الموقف دون أن يشعر أنك أنقذته. تلك هي المروءة في أنقى صورها؛ أن تستر وأنت قادر على الفضح، وأن ترفع الحرج وأنت قادر على مضاعفته، وأن تغادر المجلس وقد حفظت لإنسان كرامته دون أن تطلب شكراً أو ثناءً.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في آداب المجالس هو أن الإنسان لا يُقاس بما يعرفه من طرائف، بل بما يحفظه من كرامات. فالكلمة الساخرة قد تمنح صاحبها دقيقةً من الضحك، لكنها قد تترك في قلب غيره وجعاً يمتد سنوات.
أما المروءة، فقد لا يصاحبها تصفيق ولا أضواء، لكنها تترك أثراً لا يزول. وسيظل الناس ينسون كثيراً مما قيل في المجالس، لكنهم لن ينسوا من صان لهم كرامتهم، وستر زلتهم، وأشعرهم أن الخطأ لا يُنقص من قدر الإنسان.
فليس أكرم المجالس أكثرها ضحكاً، بل أكثرها ستراً، وليس أنبل الجلساء أسرعهم جواباً، بل أسرعهم إلى حفظ كرامة من يجالسهم. وحين يصبح الستر عادة، والتغافل مروءة، والرحمة خُلُقاً، تتحول المجالس من أماكن للكلام إلى أوطانٍ صغيرة يأمن فيها الإنسان على نفسه وقلبه وكرامته.