أمل حمدان الشريف
قبل أن يكتشف الإنسان الحروف، كانت العيون تُجيد الحديث، وقبل أن تُصاغ اللغات وتُكتب القواميس، كانت النظرات تحمل رسائلها إلى القلوب، فتمنح الأمان، أو تُعلن الرفض، أو تُخفي الحنين، أو تكشف الحقيقة.
فالتواصل البصري ليس مجرد التقاء عينين، بل هو مساحةٌ خفية تتبادل فيها الأرواح إشاراتها بعيدًا عن ضجيج الكلمات، ولهذا كثيرًا ما نثق بمن صدقت عيناه، ونرتاب ممن خانته نظراته، لأن العين لا تنقل الصورة فحسب، بل تعكس شيئًا من الداخل مهما حاول الإنسان إخفاءه.
وفي علم النفس، تُعد العين من أكثر وسائل التواصل غير اللفظي تأثيرًا؛ فهي تكشف درجات الانتباه، والثقة، والاهتمام، والتعاطف، بل وقد تعكس القلق أو التوتر في مواقف معينة، ومع ذلك فإن قراءة النظرات لا ينبغي أن تكون أحكامًا قاطعة، لأن دلالاتها تتأثر بالشخصية، والثقافة، والظروف المحيطة.
أما في الحياة الاجتماعية، فإن جودة العلاقات كثيرًا ما تبدأ من جودة الحضور، والحضور الحقيقي لا تصنعه الكلمات المنمقة، بل تصنعه نظرة احترام، وإنصات صادق، واهتمام يشعر معه الطرف الآخر بأنه مرئي، ومقدَّر، ومحل اهتمام.
وفي القيادة، والتعليم، والإعلام، والدبلوماسية، لا يكفي امتلاك المعرفة أو البلاغة؛ فالقائد الذي يلتقي بأعين من يقودهم باحترام، والمعلم الذي ينظر إلى طلابه باهتمام، والإعلامي الذي يخاطب جمهوره بثقة واتزان، جميعهم يرسلون رسائل تتجاوز مضمون الحديث إلى صدق الحضور الإنساني.
غير أن للتواصل البصري أخلاقياته أيضًا؛ فهو ليس أداةً للهيمنة، ولا وسيلةً للضغط النفسي، ولا بابًا للتعدي على خصوصية الآخرين، بل هو فنٌّ يقوم على التوازن والاحترام، ويعكس رقي الإنسان في تعامله مع من حوله.
ولعل أجمل ما في التواصل البصري أنه يختصر مسافاتٍ لا تختصرها الكلمات؛ فقد تمنح نظرةٌ واحدة طفلًا ثقةً بنفسه، أو تُخفف عن مريض ألمه، أو تُطمئن قلبًا أنهكته الحياة، أو تعيد لإنسانٍ شعوره بقيمته.
وخاتمة القول:
إن الحضارة لا تُقاس بقدرة الإنسان على الكلام فحسب، بل بقدرته على أن ينظر إلى الآخرين بعينٍ ترى إنسانيتهم قبل أن ترى اختلافهم، فالكلمات قد تُجيد التمثيل، أما العيون، في كثير من الأحيان، فهي آخر منافذ الصدق، وأول جسور التواصل الحقيقي.
وإذا كان الهدف توعية المجتمع، فيمكن أيضًا تناول التواصل البصري كسلاح ذي حدين؛ كيف يُستخدم لبناء الثقة والتأثير الإيجابي، وكيف قد يتحول إلى أداة للاستدراج أو التلاعب النفسي إذا استُخدم بغير أخلاق أو وعي.