د. غالب محمد طه
في أحد الصباحات، وبينما كنت أقود سيارتي في زحام المشاوير اليومية المعتادة، أدرت مؤشر المذياع على إذاعة «نداء الإسلام». استوقفتني حلقة بعنوان: «صيف الشباب.. بين الفراغ وصناعة الفرص». تناولت الحلقة أفكاراً حول استثمار الإجازة في البناء الإيماني والمعرفي والاجتماعي، لكن ما بقي معي بعد أن انطفأ أثير الإذاعة كان سؤالاً ظل يتردد في ذهني: كيف يُملأ هذا الوقت الطويل في واقعنا اليومي؟
انتهى المشوار، وبقيت الفكرة ترافقني. وعندما عدت إلى المنزل ورأيت أبنائي، كلاً منهم منشغل بطريقته، وجدت نفسي أعود إلى السؤال نفسه: ماذا سيفعل أبناؤنا بكل هذا الوقت الذي منحته إياهم الإجازة؟
هذا السؤال لا يمر مروراً عابراً في البيوت. وربما يكون ما نغفل عنه هو طريقة نظرتنا إلى الفراغ. نتعامل معه أحياناً وكأنه مساحة يمكن تأجيلها، بينما يمضي الواقع في ملئها دون انتظار. فكل ساعة لا يجد فيها الشاب ما يشغله بإرادته، ستجد المنصات الرقمية ما تشغله به. تدرك خوارزميات وسائل التواصل هذه الحقيقة جيداً، وتعمل باستمرار على جذب الانتباه وإطالته؛ لأن كل دقيقة يقضيها المستخدم تمثِّل لها قيمة. ولهذا تتحول الإجازة إلى واحدة من أكثر الفترات نشاطاً في استقطاب انتباه الأبناء.
ولا يقتصر هذا التحدي على بيت دون آخر، فهو يتكرر في كثير من المجتمعات، مع حضور واضح في عالمنا العربي. ومع بداية كل صيف، يجد آلاف الآباء والأمهات أنفسهم أمام المشهد نفسه: وقت ممتد، وعالم رقمي مفتوح، وحدود يصعب ضبطها. تتشابه التفاصيل وإن اختلفت الأماكن، ويبقى السؤال قائماً: من يملأ هذا الوقت؟ وكيف يتشكل وعي الأبناء خلاله؟
الإجازة تمنح الشباب وقتاً واسعاً، لكن الوقت وحده لا يصنع فرصة. يحتاج إلى ما يوجهه، وإلى ما يمنحه معنى. وتقليل ساعات استخدام الشاشات ليس قراراً يُتخذ بين يوم وليلة؛ فقد أصبح الهاتف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، وأي تغيير حقيقي يحتاج إلى وقت وصبر.
لهذا تظهر قيمة البدائل. تجربة تطوعية، أو تعلم حرفة، أو ممارسة رياضة، أو اكتساب مهارة رقمية تقوم على الإنتاج لا الاكتفاء بالاستهلاك. عندما يجد الشاب ما يستحق اهتمامه، يتغير إيقاع يومه تدريجياً. ولهذا تبدو نتائج الحوار مع الأبناء، وإشراكهم في تنظيم وقتهم، أكثر استدامة من الاكتفاء بالأوامر والمنع؛ فالإنسان يميل بطبيعته إلى الالتزام بما يشعر أنه شارك في اختياره.
والعالم الرقمي نفسه لا يقتصر على مصادر التشتت؛ ففي داخله أيضاً فرص تستحق الالتفات. ومن القصص التي استوقفتني في ذلك البرنامج الصباحي حكاية شاب سعودي يعمل في تغيير إطارات الشاحنات، وهي مهنة شاقة، ويوثق يومياته عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لم تختلف أدواته عن تلك الموجودة في أيدي ملايين الشباب، لكن طريقة استخدامها صنعت الفارق. فتح الهاتف أمامه نافذةً يعرض من خلالها عمله، ويبني سمعته المهنية، ويفتح لنفسه آفاقاً جديدة.
قد يبدو الصيف فترة قصيرة في تقويم الأيام، لكنه يترك أثراً يمتد لسنوات. بعض الشباب يخرج منه بتجربة جديدة، أو عادة نافعة، أو مهارة تبقى معه، بينما يمضي الصيف عند آخرين دون أثر يُذكر.
ومع نهاية ذلك اليوم، وأنا أستعيد فكرة تلك الحلقة الإذاعية، بدا لي أن الأفكار التي نتحدث عنها معروفة في معظم البيوت، لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما نحولها إلى ممارسات يومية يلمس الأبناء أثرها.
وفي النهاية، تبقى الإجازة مساحة مفتوحة لما نختار أن نصنعه فيها. وقد تكون الأيام القادمة فرصة هادئة لنزرع عادة نافعة، أو نكتشف موهبة، أو نقضي مع أبنائنا وقتاً يظل حاضراً في ذاكرتهم بعد أن ينتهي الصيف.