خالد بن عبدالرحمن الذييب
قديماً كنا نسمع أن الدول الأكثر رفاهية كالسويد مثلاً هي الأعلى في معدلات الانتحار، وتُطرح هذه الفكرة في سياق يرمي إلى إثبات أن الرفاه المطلق لا يجلب السعادة. لكن، عند البحث عن أصل المعلومة، نجد أننا أمام واحدة من أنجح وأعقد بروباغندا القرن العشرين، والتي تحولت مع مرور العقود إلى حقيقة، دون أن تستند إلى واقع إحصائي حقيقي.
ولدت هذه الشائعة في يوليو عام 1960، عندما ألقى الرئيس الأمريكي آنذاك آيزنهاور خطاباً هاجم فيه بشكل غير مباشر السياسات الاشتراكية الديمقراطية في السويد، مدعياً أن توفير الرعاية للمواطن من المهد إلى اللحد يدمر الطموح الفردي، ومستشهداً بارتفاع معدلات الانتحار، وحينها كانت المعركة في أوجها بين الرأسمالية الفردية التي تقودها أمريكا بفكرة «الحلم الأمريكي»، وبين دولة الرفاه المشترك التي قدمتها السويد بضمان التعليم والصحة والعيش الكريم لكل مواطن. ولأن النموذج السويدي مثّل تهديداً للنخبة الأمريكية، كان لا بد من صناعة وهم مضاد للعالم بأن الجنة الإسكندنافية جحيم نفسي يقود المترفين إلى إنهاء حياتهم.
ما ساعد على نمو هذه الشائعة هو أن السويد كانت الأكثر شجاعة وأمانة في رصد بياناتها، مقارنة ببعض الدول في تلك الفترة والتي تتستر على حالات الانتحار لدواعٍ اجتماعية ودينية. بينما واقع السويد تقع في مناطق متوسطة أو منخفضة، ولها ترتيب مرتفع في مؤشر السعادة العالمي.
الواقع الذي التقطه الكاتب الكبير آرثر ميلر قبل خطاب أيزنهاور في مسرحيته الشهيرة «موت بائع متجول» عام 1949 جسّد الجانب المظلم للرأسمالية الأمريكية التي سحقت الطبقة الوسطى؛ حيث قدم المواطن «ويلي لومان» الذي طارد وهم النجاح الفردي طوال حياته، وعندما عجز عن تحقيق هدفه انتهى به المطاف بالانتحار بهدف ترك أموال التأمين لعائلته.
... أخيراً
هذه القصة درس في كيفية صناعة الوعي، فتكرار الكذبة يجعلها تصمد في وجه الحقيقة لعقود.
ما بعد أخيراً ...
فكر قبل أن تصدّق.