د. رنا بنت عبدالله الغامدي
قبل أسابيع، كنت في مكالمة مع زميلة وصديقة عزيزة وقيادية مخضرمة، من الأشخاص الذين أستأنس برأيهم حين أجد نفسي أمام قرار أو مفترق طرق يحتاج إلى مشورة صادقة. اتصلت بها لأناقش أمرًا كان يشغل تفكيري، حينها لم أكن أعلم أن تلك المكالمة ستقودني إلى فكرة هذا المقال.
وفي سياق حوارنا تحدثت هي عن رحلة استجمامها الأخيرة، حيث قررت أن تمنح نفسها إجازة قصيرة بعد فترة طويلة من الضغوط والسباقات المهنية المرهقة. ثم استرسلت في وصف زيارتها لجُرف موهير (Cliffs of Moher) في إيرلندا، لم أكن أعرف الكثير عن ذلك المكان، فبدأت تصفه لي كما لو أنها تحاول أن تنقل المشهد عبر المكالمة.
حدثتني عن جُرف صخري هائل يقف على الساحل الغربي لإيرلندا منذ ملايين السنين، ترتطم الأمواج الأطلسية بقاعدته بلا توقف، بينما يقف شامخًا فوقها على ارتفاع يزيد على مئتي متر. قالت إنها شاهدته من البحر في رحلة بالقارب ثم وقفت لاحقاً أعلى الجُرف، فكان المشهد يبدو مختلفًا تمامًا من كل زاوية. من البحر بدا الجُرف هائلًا ومهيبًا، ومن أعلاه بدا المحيط بلا نهاية. وأرسلت لي مقطع فيديو يوثِّق هذه الرحلة المبهرة، ثم صمتت قليلًا قبل أن تضيف ضاحكة:
«رنا، هل تعرفين ما الذي خطر ببالي وأنا أقف هناك؟ وأنا أنظر إلى الجرف من البحر شعرت أن بعض الهموم تكبر حين نكون في خضمها. لكن حين وقفت في أعلى الجرف، بدا كل شيء أخف وتخيلت أنني ألقي من أعلى المنحدر شيئًا من تعب السنوات الماضية، والمسؤوليات القديمة، والاجتماعات التي انتهت بلا قرار والأعباء التي لم يعد لها مكان في حياتي».
ابتسمتُ لكلماتها، لكن الفكرة بقيت معي طويلًا بعد أن انتهت المكالمة. الحقيقة أن صديقتي عبَّرت بصوت عالٍ عمَّا يختبره كثير منا في مراحل مختلفة من الحياة. نحن لا نحمل المسؤوليات وحدها، بل نحمل معها بقايا سنوات كاملة من الضغوط والتوقعات والقرارات الصعبة والمواقف التي استنزفت الكثير من طاقتنا.
وحين نغادر منصبًا أو نبتعد عن بيئة عالية المتطلبات، لا ننجح دائمًا في ترك كل ذلك خلفنا. ولهذا لا يكفي أحيانًا تغيير المكان. فكم من شخص سافر إلى الطرف الآخر من العالم ليكتشف أنه حمل معه كل ما كان يحاول الهروب منه. لكل منا ما يسكن ذاكرته، لكنهم ليسوا دائمًا أشخاصًا. أحيانًا يكونون مسؤوليات منتهية، وقرارات مرهقة، وضغوط مراحل ظننا أننا تجاوزناها وطوينا الصفحة، لكن شيئًا من قلق تلك المرحلة يبقى مقيمًا في الداخل. ثم نكتشف بعد سنوات أن ما نحمله اليوم ليس المسؤولية نفسها، بل أثرها.
وربما لهذا السبب أعجبتني قصة جُرف موهير. فالأمواج تضرب صخوره منذ ملايين السنين، ثم تنسحب. تعود مرة أخرى، ثم تنسحب. لا تتمسك الصخور بالموجة التي مرت قبل ساعة، ولا تحتفظ بأثر كل ضربة تعرضت لها. أما نحن، فلدينا موهبة غريبة في جمع الأمواج القديمة داخلنا. نحتفظ بثقل أعباء انتهى وقتها، ومواقف تجاوزها الواقع، وهموم غادرت المكان لكنها لم تغادر الذاكرة وأخذت حق الإقامة الدائمة في داخلنا دون أن تدفع إيجارًا.
لهذا السبب يحتاج كل واحد منا إلى جرفه الخاص. ليس بالضرورة جُرفًا يطل على المحيط الأطلسي. قد يكون مقعد السيارة في طريق العودة إلى المنزل، أو لحظة صمت بعد اجتماع طويل، أو ساعة متأخرة من الليل نراجع فيها ما أتعبنا أكثر مما ينبغي. في تلك اللحظات نقول الكلمات التي لم نقلها، وننهي في خيالنا نقاشات لم تُحسم كما تمنينا، ثم ندرك أن بعض الأعباء انتهت فعلًا، وأن ما بقي منها لا يستحق أن نحمله أكثر. عندها فقط نسمح لها أن تغادر بهدوء.
عادت صديقتي من رحلتها أكثر صفاءً واتزانًا. فهي، بحكم خبرتها الطويلة، تدرك أن القيادة لا تعني تحمّل مسؤولية كل شيء إلى الأبد، فبعض المسؤوليات تنتهي مفسحة المجال لفرص جديدة. كل ما تحتاجه هو أن نقف معها للحظة وداع على حافة الجرف، ثم نلقي بها... ونمضي.