إبراهيم بن يوسف المالك
لأكثر من قرن، ظل اسم سويسرا مرادفاً لمعنى واحد تقريباً: الثروة. لم تكن مجرد دولة مستقرة أو مركزاً مصرفياً تقليدياً، بل تحولت إلى رمز عالمي لحفظ الأموال وإدارة الثروات العابرة للحدود. ولهذا، فإن تجاوز هونغ كونغ لسويسرا هذا الأسبوع كأكبر مركز عالمي لإدارة الثروات العابرة للحدود ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل إشارة أعمق إلى أن خريطة النفوذ المالي العالمي نفسها بدأت تتحرك.
بحسب تقرير Boston Consulting Group لعام 2026، بلغت الأصول العابرة للحدود في هونغ كونغ نحو 2.95 تريليون دولار، مقابل 2.94 تريليون لسويسرا. الفارق الرقمي محدود جداً، لكن الرسالة خلفه ضخمة. فالعالم لا يعيد توزيع الأموال فقط، بل يعيد توزيع مراكز الجاذبية الاقتصادية والمالية أيضاً.
الثروة العابرة للحدود عالمياً وصلت إلى نحو 15.7 تريليون دولار خلال عام 2025، فيما بلغت الثروة المالية العالمية قرابة 333 تريليون دولار، وترتفع إلى ما يقارب 550 تريليون دولار عند احتساب الأصول الحقيقية والعقارية وغيرها. والأهم من ذلك أن أكبر عشرة مراكز مالية في العالم تستحوذ على قرابة 90 % من التدفقات الجديدة لهذه الثروات، ما يعني أننا لا نعيش مرحلة توزيع اقتصادي واسع كما يظن البعض، بل مرحلة تركّز مالي عالمي شديد الحساسية.
لكن السؤال الأهم: لماذا هونغ كونغ تحديداً؟
الإجابة المختصرة هي: الصين. أكثر من 60 % من الأموال المدارة في هونغ كونغ مرتبطة بالبرّ الصيني. فالثروة الصينية الضخمة لم تعد تبحث فقط عن “ملاذ آمن” كما كان يحدث تاريخياً مع سويسرا، بل تبحث عن مراكز قريبة من النمو الحقيقي، قادرة على الربط بين رأس المال الصيني والأسواق العالمية، وتسمح بسرعة الحركة والوصول إلى الفرص الاستثمارية في آسيا والعالم.
الصين اليوم ليست مجرد مصنع عالمي كما كانت توصف سابقاً، بل أصبحت مصدراً هائلاً لصناعة الثروة نفسها، سواء عبر التكنولوجيا، أو التصنيع المتقدم، أو الأسواق المالية، أو الشركات العملاقة، أو الطروحات الأولية الضخمة. ومع عودة النشاط إلى بورصة هونغ كونغ والطروحات المالية الكبرى، كان من الطبيعي أن تتحول المدينة إلى محطة رئيسية لتدفقات الثروة الآسيوية.
لكن القضية أعمق من الصين وحدها. ما يحدث يعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة رأس المال العالمي. ففي الماضي، كانت الأولوية القصوى للسرية المصرفية والاستقرار التقليدي، ولهذا تربعت سويسرا لعقود طويلة على عرش إدارة الثروات. أما اليوم، فقد أصبحت الثروة أكثر حساسية لعوامل مختلفة تماماً: القرب من النمو، سرعة الوصول للأسواق، التنوع الجغرافي، المرونة التنظيمية، وربط رأس المال بالفرص المباشرة.
بمعنى آخر، رأس المال لم يعد يبحث فقط عن “الخزنة”، بل عن “الموقع الإستراتيجي”.
وهذا ما يفسر أيضاً صعود مراكز مثل سنغافورة التي تدير نحو 2.1 تريليون دولار من الثروات العابرة للحدود بنمو تجاوز 10 %، مقابل نمو أبطأ في المراكز الأوروبية التقليدية. العالم المالي يتحرك تدريجياً نحو آسيا، ليس لأن الغرب انتهى، بل لأن النمو الجديد والثروة الجديدة أصبحا يتركزان هناك بوتيرة أعلى.
لكن في المقابل، فإن صعود هونغ كونغ يحمل مفارقة مهمة جداً. فقوتها الحالية هي أيضاً مصدر هشاشتها المستقبلية. اعتمادها الكبير على الصين يعني أن أي تباطؤ اقتصادي حاد، أو تشدد تنظيمي، أو تصعيد جيوسياسي بين بكين والغرب، قد ينعكس مباشرة على تدفقات الثروة إليها. ولهذا لا تزال سويسرا تحتفظ بأهم ميزة تاريخية لديها: التنوع والاستقرار الطويل المدى بعيداً عن الاستقطاب السياسي العالمي.
ومن هنا يجب أن تقرأ دول الخليج هذا التطور بجدية شديدة.
الخليج اليوم يمتلك فوائض مالية ضخمة، وصناديق سيادية من الأكبر عالمياً، ومشروعات تحول اقتصادي هائلة، لكنه لا يزال في مرحلة التحول من “مصدر للثروة” إلى “مركز لإدارة الثروة”. وهناك فرق هائل بين الاثنين.
أن تمتلك المال شيء، وأن تصبح منصة عالمية لإدارته واستقطابه شيء آخر تماماً.
الإمارات على سبيل المثال بدأت تتحرك بوضوح في هذا الاتجاه، إذ تشير التقارير إلى أن الأصول العابرة للحدود لديها وصلت إلى نحو 721 مليار دولار مع معدل نمو تجاوز 11 %، وهو من أعلى المعدلات عالمياً. وهذا لم يحدث بسبب النفط فقط، بل نتيجة بناء بيئة مالية وتشريعية جاذبة تشمل الإقامة، والضرائب، والمكاتب العائلية، والمحاكم المالية، وسهولة الأعمال، والانفتاح على رؤوس الأموال العالمية.
لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام المنطقة إذا كانت تريد أن تتحول إلى مركز عالمي حقيقي لإدارة الثروات، لأن المراكز المالية لا تُبنى بالأبراج والمشروعات العقارية وحدها، بل تُبنى بالثقة طويلة المدى، واستقرار التشريعات، وكفاءة القضاء، وعمق الأسواق، وحماية المستثمر، وجودة الكفاءات البشرية، والقدرة على إدارة الأموال عبر أجيال كاملة.
في النهاية، ما يحدث اليوم ليس انتقال أموال فقط، بل انتقال ثقل اقتصادي عالمي كامل نحو مناطق جديدة من النفوذ. فالثروة حين تتحرك، تتحرك معها البنوك، والاستثمارات، والمواهب، والتشريعات، وحتى موازين التأثير السياسي. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل المنطقة لم يعد: كيف نولد الثروة فقط؟ بل كيف نتحول إلى جزء من الخريطة التي تمر عبرها الثروة العالمية قبل أن تعبر إلى مكان آخر.