أحمد بن محمد الشريدي
المتأمل لحركة السفر في مطاراتنا السعودية ومنافذنا الحدودية - وتحديداً مع بداية كل إجازة وإن كانت قصيرة - يدرك حجم قوافل المواطنين الذين يشدون الرحال إلى خارج المملكة، ومدى رغبتهم الجارفة وإصرارهم على السفر؛ «هرباً» من غلاء أسعار السياحة الداخلية، وبحثاً عن جودة الخدمات والخيارات المتنوعة.
وإذا كانت صناعة السياحة السعودية قد بدأت تأخذ بعداً جديداً من حيث الرعاية والعناية والاهتمام، ولا سيما بعد إدراك قيادتنا الرشيدة - رعاها الله - أهمية التركيز على تنويع الاقتصاد وتعدد مصادر الدخل، والتي تأتي في مقدمتها «أم الصناعات» (صناعة السياحة) لتكون قاطرة للتنمية الشاملة؛ فإن الواقع يؤكد أن عجلة هذه التنمية يديرها القطاع الخاص؛ ولذا، ومهما بلغ حجم الدعم والجهود الحكومية المبذولة، لن تتحقق الفاعلية المطلوبة للحد من هجرة السياح السعوديين والمقيمين ما دامت أسعار الخدمات السياحية تراوح مكانها في الارتفاع.
ومن أجل تنمية سياحتنا الداخلية، لا بد أن ندرك أننا جميعاً شركاء في المسؤولية الوطنية، وأن نناقش بكل شفافية ووضوح الأسباب الكامنة وراء هذا الغلاء، والإشكاليات التي تواجه السائح المحلي وتدفعه لتفضيل الوجهات الخارجية؛ إذ إنه بمجرد مقارنة تكلفة رحلته الخارجية بتكلفة السياحة الداخلية، يلمس مفارقة شاسعة في الأسعار والخدمات.
وعلى الرغم من أن المملكة - ولله الحمد - تسابق الزمن في كافة المجالات والميادين، وحققت إنجازات مشرفة غير مسبوقة بات يُشار إليها بالبنان، فإنه يتعين علينا التفكير في كيفية الارتقاء بهذه الصناعة المتداخلة ومتعددة الأدوار. إن الأمر يتطلب تكاتف جهود الجميع، وتكامل القطاعين الخاص والحكومي، وقبلهما وعي المجتمع، لمعالجة الفجوات وإبراز وجه سياحتنا المبتسم، ولا سيما وهي تحظى بمقومات وتضاريس متنوعة، وكنوز تاريخية وأثرية فريدة.
هذه الحقيقة يجب أن يضعها مستثمرو القطاع السياحي والمخططون له نصب أعينهم، لكبح جماح الأسعار المبالغ فيها سنوياً من بعض الفنادق، والمنتجعات، ومراكز الترفيه؛ وذلك مقارنة بما يشهده السوق العالمي من تنافسية متصاعدة وعروض جاذبة تسحب البساط تدريجياً من السوق المحلية. وتدعم هذا الطرح الأرقام والتقديرات التي تشير إلى ارتفاع إنفاق السياح السعوديين على السفر الخارجي ليصل إلى نحو 110.42 مليار ريال (29.4 مليار دولار) في عام 2025م، مقارنة بـ 103.36 مليار ريال في عام 2024م، مسجلاً نسبة نمو بلغت 6.84 %.
من هنا نقول: إن المنافسة في سوق السياحة الإقليمية والعالمية تستلزم مراجعة دقيقة لمعايير الجودة مقابل التكلفة المالية في ظل الارتفاع العام في تكاليف المعيشة. ومن وجهة نظري، فإن خفض أسعار الخدمات السياحية لن يتحقق بشكل ملموس ومستدام إلا بمعالجة أسعار العقار الفلكية التي ترفع تكلفة التأسيس والتشغيل على المستثمر.
ختاماً، يصبح من الضروري اشتراط ضبط وتخفيض أسعار الخدمات السياحية في المنتزهات العامة، وتحديداً تلك التي تعتزم وزارة البيئة والمياه والزراعة استثمارها بالشراكة مع القطاع الخاص؛ فحين تقدم هذه المواقع أسعاراً عادلة ومناسبة، ستتمكن المملكة من جذب واستيعاب الشريحة الأكبر من المواطنين والمقيمين، وتحديداً ذوي الدخل المحدود والمتوسط، فهم الأحوج لوجود متنفسات سياحية تلبي رغباتهم وفق قدراتهم المالية وتسهم في تحقيق جودة الحياة.