د. محمد بن إبراهيم الملحم
في مقالتي الأسبوع الماضي شرحت لكم مضار الإجازة الصيفية على الطلاب، لا من الإجازة ذاتها وإنما من الممارسات الخاطئة في هذه الإجازة والتي يكثر فيها مواصلة السهر والنوم نهارا وإدمان الألعاب الإلكترونية والمسليات المرئية، وخاصة شاشة الجوال ومقاطعه التي لا تنتهي، وأكدت على أن مشكلة عدم الاستثمار الجيد للإجازة سيؤدي إلى مضار صحية ونفسية وجسدية على الطلاب ويعودون للدراسة بنفسية مخيبة للآمال، وحيث إن السهر المزمن عند المراهقين يرتبط بتراجع جودة النوم، فهو عامل مؤثر في التعلم والانتباه والنمو النفسي والجسدي، لذلك فإن أول هدية يقدمها الوالدان لأبنائهم في الصيف ليست هاتفاً جديداً، بل هو جدول متوازن يحميهم من الانزلاق إلى نمط حياة يبدد الوقت والطاقة، ومع أن كثيرا من الآباء يشتكون من عزوف أبنائهم عن البرامج الصيفية، لكن الخطأ أحياناً يكون في نوع النشاط المعروض لا في الفكرة ذاتها، فالمراهق لا يبحث عن محاضرات طويلة، أو نسخة من المدرسة أو ما يشبه المدرسة بشكل أو بآخر.. بل عن التحدي والإنجاز والشعور بالاستقلال، ومن أكثر الأنشطة التي تنجح مع هذه الفئة العمرية مثلا السباحة والتي تكاد تكون متاحة في معظم المدن عبر الأندية والمسابح الخاصة برسوم معقولة، وهي تجمع بين اللياقة والانضباط واكتساب مهارة تبقى مدى الحياة، وكذلك مثلها الفنون القتالية مثل الكاراتيه والتايكوندو والجودو والملاكمة يقبل عليها الفتيان والشباب بشغف، وهذه الرياضات لا تنمي القوة البدنية فقط، بل تعزز الانضباط وضبط النفس والثقة بالنفس، وكذلك الرماية ورياضات الدقة (حيثما كانت متاحة بشكل نظامي وآمن) فهي تجذب كثيراً من الفتيان بسبب عنصر التحدي والتركيز الذي تحمله هذه الرياضات، ومؤخرا انتشر مجال البرمجة والروبوتات وأصبحت لدينا مراكز كثيرة تقدم دورات قصيرة في البرمجة وتصميم الألعاب والروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد. وهي فرصة لتحويل الشغف بالتقنية من الاستهلاك إلى الإنتاج، وهي أحيانا تبذر بذرة الشغف بالبرمجة وأمن المعلومات وهي مجالات مهمة جدا في عالم الوظائف اليوم، ولا يكفي للتميز فيها أن يدرسها الطالب في الجامعة، بل ينبغي أن يتملكه الشغف بها وتكون جزء من اهتمامه ورغبته، وإذا بدأ مبكرا فإن قدراته بعد التعلم الجامعي ستكون أفضل من كثير من أقرانه، كما أن التصوير الاحترافي وصناعة المحتوى لم يعد مجرد حرفة أو مهنة بل كثير من الشباب الوم يريد أن يتعلمه ويتقنه لكونه أهم أداة في دعم استخدامهم لمنصات التواصل الرقمي الاجتماعية (السوشال ميديا) وتقديمهم محتوى يجذب لهم مزيدا من المشاهدات والاشتراكات وهو ما يحقق الذات لدى الشباب، وهكذا فإنه بدلاً من أن يكون الهاتف أداة استهلاك فقط، يمكن أن يصبح وسيلة لتعلم التصوير والمونتاج وإعداد التقارير القصيرة أو الوثائقيات المصغرة، بل ويمكن أن يخدم الشاب أسرته بكاملها وبعدة طرق بل وينقل إليهم الخبرة. وهناك بلا شك الأعمال اليدوية والنجارة الخفيفة والصيانة المنزلية والتي ينجذب إليها كثير من المراهقين لما فيها من المشاريع العملية الحيوية التي ينجزون من خلالها منتجا يشاهدونه أمامهم .
من الأفكار الناجحة أن يخرج كل طالب من الإجازة بمشروع واحد ملموس، فليس مطلوباً مشروعاً ضخماً، وإنما يكفي أن يقول الطالب في نهاية الصيف: لقد قرأت خمسة كتب، أو تعلمت السباحة أو أنشأت موقعاً إلكترونياً بسيطاً، او تعلمت التصوير الاحترافي، أو خسرت خمسة كيلوغرامات من الوزن الزائد، أو أتقنت اللغة الإنجليزية في مستوى معين، فإن وجود هدف واضح يجعل الإجازة ذات معنى، ويخرج الطالب من مساحة الحبس في غرفة أمام شاشة الألعاب أو الإدمان على كنبة الصالة في مشاهدة مقاطع الجوال التي لا تنتهي، ودور الأب والأم هنا محوري ومهم ومن الخطأ الشائع أن يطلب الوالدان من أبنائهم ما لا يطبقانه على نفسيهما، فإذا كان الأب والأم يقضيان ساعات طويلة على الهواتف فمن الصعب إقناع الابن بترك هاتفه والانطلاق إلى هذه الهوايات وتنمية المهارات، فالأفضل أن تتحول الأسرة كلها إلى بيئة نشطة خلال الصيف وأقترح مثلا ساعة قراءة جماعية يومية أو رياضة عائلية عدة مرات أسبوعياً (المشي في ممشى ويعقبه الذهاب الى كوفي للاستمتاع ومكافأة الذات على رياضة المشي) أو زيارة مكتبة أو معرض أو متحف أو رحلة قصيرة إلى موقع تاريخي أو طبيعي أو تشجيع النقاشات العلمية والثقافية داخل المنزل، والمهم في هذا كله هو الحوافز الذكية فلابد أن تكون حاضرة في كل هذه الأنشطة والمبادرات المقترحة فهي أكثر فاعلية من الأوامر المباشرة ولها دور كبير في استمرارية الأولاد في ما وجهوا إليه، ويمكن مثلا الاتفاق على مكافأة مالية عند إتمام دورة تدريبية أو رحلة خاصة عند تحقيق هدف معين، أو شراء جهاز أو أداة مرتبطة بالهواية الجديدة، او منحه مساحة أكبر من الاستقلالية مقابل الالتزام بالبرنامج، المهم أن تكون المكافأة مرتبطة بالإنجاز الحقيقي لا بمجرد الحضور الشكلي، كما انه ليس مطلوباً أن يكون الصيف كله تعلماً، فالطالب يحتاج إلى الراحة والمرح واللقاءات الاجتماعية ولوكان 50 % من الوقت موزع بين النوم الصحي والنشاط البدني والهوايات والزيارات العائلية والتعلم الخفيف و50 % للترفيه الرقمي والألعاب فهذا سيكون أهون الضررين، ولا شك أن النجاح في رفع النسبة الأولى إلى 60 % أو 70 % سيكون له منافعه الكبيرة على الطلاب ولكن المهم أن يكون ذلك عن رضا من الطالب ورغبة وتحفيز مناسب.
العطلة الصيفية ليست فراغاً بين عامين دراسيين، بل مساحة ثمينة لتشكيل الشخصية. والطالب الذي يتعلم مهارة جديدة، ويقرأ كتاباً جيداً، ويمارس رياضة منتظمة، ويحافظ على نومه وصحته، يعود إلى المدرسة وقد كسب أكثر بكثير مما خسره من الواجبات والاختبارات. هذا هو الصيف الذي يصنع الفارق، لا الصيف الذي ينتهي ولا يبقى منه سوى سجل طويل من ساعات الشاشة.