محمد بن عبدالله العتيق
في عالم تتزاحم فيه الأفكار وتتسابق فيه وسائل التأثير على العقول، لم يعد الأمن الفكري ترفاً ثقافياً أو موضوعاً يُطرح في المناسبات فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية تمس حاضر المجتمعات ومستقبلها. فكم من أمة لم تُهزم بقوة السلاح، وإنما تسلل إليها الضعف حين نجح أصحاب الأهواء في اختراق العقول وبث الشكوك وزعزعة الثوابت وإضعاف الثقة بين المواطن ووطنه.
ومن هذا المنطلق أولت المملكة العربية السعودية الأمن الفكري عناية كبيرة، إدراكاً منها أن بناء الإنسان الواعي هو الركيزة الأساسية لكل تنمية واستقرار، وقد تجسد هذا الاهتمام في العديد من البرامج والمبادرات والملتقيات التي هدفت إلى تعزيز قيم الوسطية والاعتدال وترسيخ الانتماء الوطني وحماية الشباب من الأفكار المنحرفة والدعوات المشبوهة التي تستهدف أمن الوطن ووحدته.
وحين يُذكر هذا الجانب، فإن إمارة منطقة القصيم تقدم نموذجاً جديراً بالتقدير، من خلال ما تقوم به وحدة الأمن الفكري بالإمارة من جهود متواصلة، بدعم ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم، الذي عُرف باهتمامه الكبير بهذا الملف وإيمانه العميق بأهمية تحصين المجتمع فكرياً وتعزيز الوعي لدى الشباب والنشء.
وقد تشرفت شخصياً بالمشاركة في بعض الأعمال ذات العلاقة بالأمن الفكري، كما حظيت بشرف الحضور في عدد من اللقاءات والبرامج التي أقيمت في هذا الشأن، فكان مما لمسته عن قرب حرص سموه الكريم على أن تتحول رسالة الأمن الفكري من مفهوم نظري إلى عمل مؤسسي مستدام، من خلال إقامة الندوات المتخصصة واستضافة أصحاب الخبرة والاختصاص وإتاحة الفرصة للحوار الهادف الذي يلامس قضايا الشباب وتحديات العصر.
ولم تقتصر آثار هذه الجهود على الحاضرين لتلك الفعاليات، بل امتدت عبر وسائل الإعلام المختلفة لتصل إلى شرائح واسعة من المجتمع، حاملة معها رسائل الوعي والاعتدال والانتماء الوطني، وهي جهود تعكس فهماً عميقاً لحقيقة أن حماية الأوطان تبدأ من حماية العقول، وأن بناء الوعي هو الاستثمار الأهم في مواجهة كل فكر منحرف أو دعوة مضللة.
إن الأمن الفكري مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام ومؤسسات الدولة كافة، غير أن نجاحها يبقى مرهوناً بوجود مواطن واعٍ يدرك قيمة وطنه ويؤمن بأن المحافظة على أمنه واستقراره واجب وطني لا يقل أهمية عن أي واجب آخر.
وحين يلتقي الوعي بالمسؤولية، وتلتقي القيادة الحريصة بالمجتمع الواعي، تتعزز مناعة الوطن وتخيب رهانات المرجفين والمتربصين، ويبقى الوطن ـ بإذن الله ـ أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.