د. أحمد محمود الخضري
معلوم أن دلالة لفظ التزوير تقترن في عربيتنا المعاصرة ولغة التخاطب بالغش والكذب والتدليس، والخداع، يُقال: زَوَّرَ الكَلامَ: كذب فيه، وزَوَّرَ التوقيع: قَلَّدَهُ، ودَلَّسَ به، وزَيَّفه بقصد الانتفاع به بغير حق، وفي اصطلاح رجال القانون يفيد لفظ التَّزوير معنى: تَغْيِير الحَقِيقَةِ فِي سَنَدٍ أَوْ وَثِيقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، بِسُوءِ نِيَّةٍ وَبِقَصْدِ الغِشِّ، بِإِحْدَى الطُّرُقِ المَادِّيَّةِ أَوِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا القَانُونُ، وَمِنْ شَأْنِهَا إِحْدَاثُ ضَرَرٍ بِالمَصْلَحَةِ العَامَّةِ أَوْ مَصْلَحَةِ شَخْصٍ مَا.
وبمطالعة بعض كتب اللغة ومعجماتها التراثية؛ للنظر في استعمال القدامى لها، وقفت على عدة دلالات تكتنفها، استوقفني منها دلالة شريفة مستحسنة تعد مَكرُمَة من مكارم الأخلاق، وخصلة من خصال الخير، وخلق عظيم أكيد من أخلاق الإسلام، يدل على سماحة في النفس، وكرم في الطبع، وإيثار للغير، ألا وهي: إِكْرَامُ الزَّائِرِ أو الضَّيْفِ، فقد روي الأزهري (ت370هـ) في تهذيبه عن أبى زيد الأنصاري (ت215هـ) أن قال: «التَّزْوِيرُ: أَن يُكرِمَ المَزُورُ زَائِرَه، وَيَعْرِفَ لَهُ حقَّ زِيَارَتِهِ، وَقَدْ زَوَّرَ القَوْمُ صَاحِبَهُمْ تَزْويرًا: إِذا أَحْسَنْوا إِلَيْهِ» [13-166]، وقال الصاحب بن عَبَّاد (ت385هـ) في محيط المحيط: «والتَزْويْرُ: إكْرَامُ الضَّيْفِ « [9-82] ، ويقاربه قول الجوهري (ت393هـ) في صحاحه «التَّزْوِيرُ: كَرَامَةُ الزَّائِرِ» [2-674].
وبهذا المدلول استخدمها بعض علماء العربية وأئمتها أمثال يونس بن حبيب النحوي (ت182هـ)؛ إذ قال يحكى قصة مَثَلَيْنِ: «كَانَ مِنْ حَدِيثِ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ أَنَّ امْرَأَةً زَارَتْهَا بِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا؛ فَأَحْسَنَتْ تَزْوِيرَهُمَا» مجمع الأمثال [1-309].
والناظر في الدلالتين السابقتين يتجلَّى له أن تطوراً وتغيراً دلالياً قد اعترى تلك الكلمة، أدى إلى تراجعها وتدني دلالتها وانحدارها، فبعد أن كانت في سابق عهدها تستخدم في أحد معانيها للدلالة على مكرمة من مكارم الأخلاق وهي: إكرام الضيف وحسن استقباله، أصبحت تطلق على الخداع والغش والتدليس والتزييف، وهذا التطور مما يلحق بركب أحد الأعراض التي تصيب دلالات الألفاظ وهو: انحطاط الدلالة أو انحدارها وابتذالها.
** **
عضو هيئة تدريس بقسم أصول اللغة - جامعة الأزهر