«الجزيرة» - وائل العتيبي:
منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، لم ينظر فهمي فرحات إلى السينما بوصفها هواية، بل مشروع حياة بدأه بصناعة الأفلام وبيعها، قبل أن تقوده رحلته إلى ولاية كاليفورنيا لدراسة الإنتاج السينمائي، حيث تتلمذ على يد المخرج العالمي مصطفى العقاد، لينطلق بعدها إلى استوديوهات لوس أنجلوس، ويشارك في أعمال روائية ووثائقية جابت المهرجانات الدولية وحصدت جوائز عدة.
تنقّل بين الإنتاج والإخراج والمونتاج وكتابة السيناريو، وأسهم في أعمال سينمائية عربية وأمريكية، قبل أن يعود إلى المملكة ليكون أحد الأسماء التي واكبت البدايات الحديثة للسينما السعودية، من خلال أفلام بارزة، منها «وينك؟»، و«ثوب العرس»، و«زينة الحياة»، و«قوانين اللعبة»، إلى جانب الفيلم الوثائقي «رحلة استكشاف» الذي وثّق رحلة الأمير سلطان بن سلمان إلى الفضاء، ومشاركته في إنتاج أول فيلم رعب سعودي يُعرض تجاريًا في دور السينما، فضلًا عن تجربته الرائدة في الفيلم التفاعلي «يأجوج: لعنة إرم». وامتد حضوره إلى التدريب والعمل الأكاديمي، حيث قدّم عشرات الدورات والندوات داخل المملكة وخارجها، وحاضر في جامعات ومؤتمرات متخصصة، من بينها جامعة هارفارد، كما أسس مركز «دراما تُرجيز» للفنون، المتخصص في تطوير النصوص والمواهب السينمائية والمسرحية والفنون التفاعلية.
وفي وقتٍ أصبحت فيه الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من رحلة الفنان، يقدّم فهمي فرحات تجربة مختلفة عبر معسكر «ثيسبيس» (Camp Thespis)، الذي يجمع بين إعداد الممثل فنيًا، وبناء توازنه النفسي والذهني. وفي هذا الحوار، يكشف فلسفة المعسكر، وأبرز مرتكزاته، ورؤيته لإعداد ممثل قادر على المنافسة والاستمرار:
* بدايةً، ما الفكرة الجوهرية التي انطلق منها معسكر «ثيسبيس»؟ وما المشكلة التي يسعى إلى معالجتها؟
- انطلق المعسكر من قناعة تشكلت عبر أكثر من عشرين عامًا في صناعة الأفلام، مفادها أن نجاح الفنان لا يُقاس بما يحققه من إنجازات فحسب، بل بقدرته على الاستمرار والتوازن. وبالتعاون مع المدرب مالك القلاف، طورنا «منهج ثيسبيس» انطلاقًا من ملاحظة أن معظم البرامج التدريبية تركز على تنمية المهارات الفنية، بينما تُغفل الأداة الأهم، وهي الإنسان نفسه. ومن هنا، يسعى مركز «دراماتُرجيز» إلى مساعدة الممثل على مواجهة الاحتراق النفسي والإجهاد العاطفي، عبر بيئة تدريبية آمنة تعزز استدامته الإبداعية.
* تتحدثون عن «الممثل الشامل»... كيف يمكن تعريف هذا المفهوم؟ وما الذي يميزه عن التدريب التقليدي؟
- الممثل الشامل هو من يجمع بين المهارة الفنية، والوعي النفسي، والجاهزية الجسدية. فالتدريب التقليدي يركز على كيفية تجسيد الشخصية، بينما ينطلق منهجنا من فهم الممثل لذاته أولًا؛ لأن من لا يدرك عالمه الداخلي، يصعب عليه أن يمنح الآخرين أداءً صادقًا ومقنعًا. هدفنا هو بناء ممثل يمتلك حضورًا واعيًا، ومرونة ذهنية، وقدرة على المحافظة على توازنه داخل موقع التصوير وخارجه.
* يركز البرنامج على الصحة النفسية والاستشفاء إلى جانب التدريب الفني. هل يعتمد ذلك على منهجيات علمية معتمدة؟
- بالتأكيد، فالصحة النفسية ليست عنصرًا مكملًا في «ثيسبيس»، بل إحدى ركائزه الأساسية. ويستند البرنامج إلى منهجيات علمية معتمدة في علم النفس، وسيكولوجية الأداء (Performance Psychology)، وتنظيم الجهاز العصبي (Nervous System Regulation)، ويقدمه مختصون يجمعون بين الخبرة الأكاديمية والتطبيق العملي. ويضم الفريق أمل فرحات، المتخصصة في التوجيه الإدراكي السلوكي (Cognitive Behavioural Coaching - CBC)، وريم فرحات، المتخصصة في العلاج بالقبول والالتزام (Acceptance and Commitment Therapy - ACT)، والعلاج بالمصادر (Resource Therapy)، وإدارة الضغوط، وبناء الصمود العاطفي، إلى جانب كلاوس مارفيدي، المتخصص في سيكولوجية الأداء ونموذج جبل الجليد (Iceberg Model)، والمستشار العلمي للمعسكر من شركة Beljean Seminare السويسرية. كما يشارك في البرنامج المدربان مالك القلاف والدكتور زياد عوني، إلى جانب يزن ملحم، المدرب العربي المعتمد في تقنية تشوبك (Chubbuck Technique).
وتمتزج هذه الخبرات لتقديم تجربة متكاملة، لا تقتصر على تطوير الأداء، بل تمنح الممثل الأدوات النفسية التي تساعده على تقديم أداء أكثر صدقًا وعمقًا، مع الحفاظ على توازنه واستدامة عطائه.
* هل استعان المعسكر بأخصائيين نفسيين أو جهات أكاديمية عند تصميم هذا الجانب؟
- نعم، فقد صُمم البرنامج بالتعاون مع مختصين في علم النفس، وسيكولوجية الأداء، وإدارة الضغوط، إلى جانب التعاون مع مؤسسة Beljean Seminare السويسرية، لضمان بناء برنامج يستند إلى أسس علمية ومهنية راسخة، ويواكب أفضل الممارسات العالمية.
* لماذا وقع اختياركم على مدينة باد هارتسبورغ الألمانية؟
- لأنها توفر بيئة مثالية للابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، وتتمتع بإرث طويل في الاستشفاء، وهو ما ينسجم مع فلسفة المعسكر في الجمع بين تنمية الأداء وتحقيق التوازن النفسي.
كما تتيح طبيعتها دمج تمارين التنفس، واليوغا، والتاي تشي (Tai Chi) مع تدريبات الأداء، إلى جانب تطبيق منهج لي ستراسبرغ (Lee Strasberg Method)، الذي يوظف الذاكرة الحسية والبيئة المحيطة للوصول إلى أعلى درجات الصدق في التمثيل.
* ما الذي يميز هذا البرنامج عن عشرات الورش والمعسكرات التدريبية التي تُقام حول العالم؟
- ما يميز «ثيسبيس» هو الجمع بين الحصرية والتكامل. فالمعسكر يقتصر على اثني عشر مشاركًا من الممثلين والوجوه الواعدة في السعودية والخليج، ويعمل وفق مسارين متوازيين؛ الأول يطوّر أدوات الأداء والمهارة الفنية، والثاني يعزز التوازن النفسي والمرونة الذهنية.
معظم البرامج تُدرّب الممثل على تجسيد الشخصية، أما نحن فنعمل أيضًا على تأهيله لحماية ذاته من آثارها النفسية، بما يضمن استدامته الفنية والإنسانية.
* يضم البرنامج أسماء سعودية ودولية في التدريب. كيف جرى اختيارهم؟ وما القيمة التي يضيفها كل منهم للمشاركين؟
- حرصنا على بناء فريق يجمع بين الخبرة الفنية والعلمية، ويجسد فلسفة «دراماتُرجيز» القائمة على التكامل. يتولى مالك القلاف والدكتور زياد عوني تدريب المشاركين على أدوات التمثيل، وتحليل النصوص، وبناء الشخصيات، بينما يقدم كلاوس مارفيدي منهجيات سيكولوجية الأداء (Performance Psychology) وتعزيز المرونة النفسية.
وفي المقابل، تعمل ريم فرحات على تنظيم المشاعر وبناء الصمود العاطفي، فيما تتولى أمل فرحات تدريب المشاركين على إدارة الضغوط وآليات التعافي منها. ويعمل الجميع ضمن منظومة واحدة تقدم تطبيقات عملية يومية، لأننا نؤمن بأن إعداد «الممثل الشامل» رحلة مستمرة، لا ورشة تدريبية عابرة.
* هل سبق تطبيق هذا النموذج التدريبي؟ وما النتائج التي حققها؟
- نعم، فهذا النموذج ثمرة خبرات تراكمت على مدى سنوات، ودمجٌ لمنهجيات أثبتت نجاحها عالميًا في مجالاتها المختلفة. كما أكدت تجاربنا في تطوير وإنتاج الأعمال الإبداعية أن الجمع بين التميز الفني، والصحة النفسية، والوعي الذاتي ينعكس مباشرة على جودة الأداء واستدامته.
ومنذ تأسيس «دراماتُرجيز» عام 2020 بالشراكة مع جمانة القريش، أصبح هذا التكامل محورًا رئيسًا في جميع مشاريعنا، انطلاقًا من قناعة بأن الفنان المتوازن هو الأكثر قدرة على تقديم أداء صادق ومستدام.
* كيف ستقيسون نجاح المعسكر؟ وهل هناك معايير واضحة لقياس الأثر الفني والنفسي؟
- يقاس النجاح فنيًا بقدرة الممثل على الحضور الواعي، وسرعة التكيف مع متطلبات موقع التصوير أو خشبة المسرح، بينما يُقاس نفسيًا بمدى قدرته على الفصل بين مشاعره الشخصية ومشاعر الشخصية التي يؤديها، واستخدام الأدوات التي تساعده على إدارة الضغوط والحفاظ على توازنه.
ويُختتم المعسكر بتطبيق عملي مكثف لمدة يومين يعتمد على تقنية تشوبك (Chubbuck Technique)، بإشراف المدرب المعتمد يزن ملحم، بهدف تمكين المشاركين من توظيف الأدوات النفسية والجسدية في أداء أكثر صدقًا وعمقًا. ونسعى من خلال «ثيسبيس» إلى مواءمة هذه التقنية العالمية مع ثقافتنا، بما ينعكس بصورة ملموسة على أعمال المشاركين المستقبلية.
* رسوم المشاركة تُعد مرتفعة نسبيًا.. كيف تبررون هذه التكلفة؟
- ما نقدمه ليس دورة تدريبية تقليدية، بل تجربة احترافية متكاملة في بيئة أوروبية، بإشراف نخبة من المختصين، مع متابعة فردية لكل مشارك، وبنية تشغيلية ولوجستية عالية الجودة تشرف عليها مدير العمليات جمانة القريش.
كما أن قصر المعسكر على اثني عشر مشاركًا فقط يمنح كل متدرب قدرًا كبيرًا من الإشراف والتوجيه الشخصي، ما يجعل الرسوم استثمارًا في تجربة نوعية، لا مجرد مقابل لحضور برنامج تدريبي.
* كيف تردون على من يرى أن مثل هذه البرامج قد تتحول إلى مشاريع تجارية تستثمر في أحلام الفنانين أكثر من تطويرهم؟
- نحن شركة إنتاج ومركز إبداعي مستقل يعمل بالشراكة مع مؤسسات متخصصة في التطوير الفني داخل المملكة وخارجها، من بينها Fexpoo البحرينية، وموندو للسفر والسياحة، ومركز تنوين في برلين، واستوديو تشوبك العربي، إلى جانب شريكنا الاستشاري السويسري. وهدفنا هو الإسهام في بناء بنية تحتية مستدامة للصناعة السينمائية والمسرحية في المملكة والعالم العربي. كما أن قصر المعسكر على اثني عشر مشاركًا، مع تخصيص فريق من الخبراء لكل متدرب، يؤكد أن رسالتنا تتجاوز الجانب التجاري، وأن استثمارنا الحقيقي هو في الإنسان الكامن خلف الموهبة.
* هل يستطيع المشارك أن يلمس فرقًا حقيقيًا في أدائه خلال عشرة أيام فقط، أم أن المعسكر يمثل بداية لمسار تدريبي أطول؟
- صُمم البرنامج ليُحدث أثرًا ملموسًا خلال عشرة أيام مكثفة، وهي مدة كافية لإعادة تشكيل نظرة الممثل إلى ذاته وأدواته، من خلال تطبيق نموذج جبل الجليد (Iceberg Model).
ولا يتوقف أثر المعسكر عند هذه الأيام، بل يمنح المشاركين منهجية وأدوات عملية ترافقهم طوال مسيرتهم المهنية، ليكون بداية لمسار تطوير مستمر، لا محطة تدريبية مؤقتة.
* هل تخططون لنقل هذه التجربة إلى المملكة مستقبلًا، بما يتيح استفادة عدد أكبر من الفنانين السعوديين؟
- بالتأكيد، فهذا يمثل هدفًا استراتيجيًا وشغفًا شخصيًا بالنسبة لي، ولشريكتي جمانة القريش. وكان الانطلاق من ألمانيا بهدف تأسيس النموذج وبناء الشراكات الدولية، أما المرحلة المقبلة فتتمثل في نقل هذه التجربة إلى المملكة، بما يدعم الحراك السينمائي والمسرحي، ويسهم في إعداد كوادر وطنية وفق أفضل المعايير العالمية.
* يشهد القطاع الفني السعودي تطورًا متسارعًا في المسرح والسينما. كيف يمكن لمثل هذه المبادرات أن تسهم في بناء كوادر وطنية قادرة على المنافسة عالميًا؟
- المنافسة العالمية اليوم لا تعتمد على الموهبة وحدها، بل على الاحترافية، والقدرة على العمل في بيئات إبداعية عالية الضغط. ولهذا نؤمن بأهمية بناء منظومة متكاملة (Creative Ecosystem) تجمع بين التدريب، والإرشاد، والدعم، والتطوير المستمر.
وعندما نزود الممثل بأدوات القيادة، والتواصل، والمرونة العاطفية، إلى جانب المهارات الفنية، فإننا نمكّنه من المنافسة بثقة في أكبر الإنتاجات العالمية. فالفنان الحقيقي لا يُقاس بعدد أدواره، بل بقدرته على تقديم شخصيات تبقى حاضرة في وجدان الجمهور، وتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية والإنسانية.
* أخيرًا... ما الرسالة التي تود أن يغادر بها كل مشارك في معسكر «ثيسبيس»؟
- رسالتي لكل فنان هي: «في معسكر ثيسبيس.. تنتهي حدود الأداء، ويبدأ الإنسان»
فالإبداع الحقيقي لا يولد من إتقان التقنية وحدها، بل من الصدق والتصالح مع الذات، وفهم العالم الداخلي. وعندما يحافظ الفنان على إنسانيته، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والاستمرار، لأن الممثل الذي يعرف نفسه جيدًا هو الأقدر على منح الحياة لشخصيات تبقى خالدة في وجدان الجمهور.