عبدالكريم بن دهام الدهام
لم يكن كأس العالم 2026 مجرد بطولة نخوضها بحثاً عن النتائج، بل كان مرآةً صادقة لما زرعناه خلال الأعوام الأربعة الماضية. فالمنتخبات لا تُبنى في شهر، ولا تُهزم في مباراة، وإنما تكشفها البطولات الكبرى أمام العالم.
تعادلٌ أمام الأوروغواي منح شيئاً من الأمل، لكنه لم يُخفِ الحقيقة، ثم جاءت الخسارة الثقيلة أمام إسبانيا لتؤكد أن الفجوة ليست في النتيجة فقط، بل في التفاصيل الفنية، والهوية، وجودة الإعداد، والقدرة على مجاراة المدارس الكروية الكبرى.
وبعد مواجهة الرأس الأخضر، لم تعد القضية التعادل وهدم التأهل لدور الـ32، بل سؤالاً أكبر: ماذا فعلنا طوال أربع سنوات؟
أولاً: معيار الاختيار؛ لا تزال معايير اختيار اللاعبين تثير كثيراً من التساؤلات. فالغالبية العظمى من القائمة جاءت من الدوري المحلي، بينما يبقى المعيار الحقيقي لأي منتخب متطور هو الجاهزية الفنية، وعدد دقائق اللعب، والمستوى الذي يقدمه اللاعب طوال الموسم، بعيداً عن اسم النادي أو تاريخ اللاعب. المنتخب لا يعرف المجاملة. ولا يعترف إلا بالأكثر جاهزية.
ثانياً: المشروع قبل المدرب؛ شهدت السنوات الماضية الاعتماد على أسماء تدريبية كبيرة، لكنها جاءت لتحقيق نتائج سريعة أكثر من بناء مشروع طويل الأمد.
المدرب الذي ينجح مع فريق مكتمل العناصر ليس بالضرورة هو المدرب القادر على تأسيس هوية جديدة.
ما يحتاجه المنتخب في المرحلة المقبلة ليس مجرد مدرب مشهور، بل مدرب يؤمن بالبناء، ويملك شخصية فنية واضحة، ويُمنح الوقت الكافي لتنفيذ مشروع يمتد حتى كأس العالم 2030، الاستقرار على الفكرة أهم من تبديل الأسماء.
ثالثاً: الدرس المغربي؛ لم يصل المنتخب المغربي إلى ما وصل إليه بسبب الصدفة أو كثرة النجوم، بل نتيجة عمل مؤسسي واضح، وهوية فنية مستقرة، واستثمار صحيح في المواهب داخل المغرب وخارجه.
وفي المقابل، امتلكت منتخبات عربية أخرى عناصر لا تقل جودة، لكنها افتقدت وضوح المشروع. النجوم وحدهم لا يصنعون منتخباً. الخطة هي التي تصنع النجوم فريقاً.
ماذا بعد؟
إذا أردنا أن تكون مشاركة 2030 مختلفة، فلا بد أن تبدأ المراجعة من اليوم، لا بعد بطولة جديدة.
أولاً: اعتماد معايير فنية ثابتة لاختيار اللاعبين، تقوم على الجاهزية والأرقام والأداء، بعيداً عن الأسماء والانطباعات.
ثانياً: التعاقد مع مدرب صاحب مشروع بناء، يمنح الصلاحيات والاستقرار، ويُحاسب على تنفيذ خطة طويلة المدى، لا على نتيجة مباراة واحدة.
ثالثاً: تعزيز الجهاز الفني والإداري بخبرات تمتلك تجربة حقيقية في بناء المنتخبات، ووضع منظومة متابعة مستمرة للاعبين داخل المملكة وخارجها.
رابعاً: رفع جودة الاحتكاك الدولي، من خلال معسكرات منتظمة ومواجهات أمام منتخبات من مدارس كروية مختلفة، حتى يعتاد اللاعب السعودي على نسق المباريات الكبرى.
خامساً: تقليص عدد المحترفين الأجانب في الدوري السعودي واختيار المواهب الصحيحة وابتعاثها للخارج ورعايتها من قبل الشركات في المملكة.
سادساً: منع التعاقدات الأجنبية في دوري الدرجة الأولى على صعيد اللاعبين والمدربين.
الخلاصة: مواجهة الرأس الأخضر لم تكن مجرد مباراة أخيرة في دور المجموعات، بل محطة مهمة لقراءة واقع المنتخب.
أما القراءة الحقيقية، فيجب ألا تتوقف عند الفوز أو التعادل أو الخسارة.
النجاح في كرة القدم لا يبدأ من صافرة الحكم، بل من المكاتب التي تُخطط، ومن اللجان التي تضع المعايير، ومن مشروع يعرف أين يريد أن يكون بعد أربع سنوات.
كأس العالم لا يجامل أحداً. إنه يكشف ما خفي طوال دورة كاملة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نكتفي بتغيير المدرب وبعض الأسماء؟ أم نمتلك الشجاعة لنراجع المشروع بأكمله، حتى يكون الطريق إلى 2030 أكثر وضوحاً وثباتاً؟.