الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
الشريعة الإسلامية العظيمة نظمت للناس كل ما يحتاجون إليه في أمورهم ومعاشهم ومعادهم، وتدعو إلى الاعتدال والتوسط في كل شؤون الحياة، كما تحرم الإسراف والتبذير وتجاوز الحد في المأكل والمشرب والإنفاق.
«الجزيرة» رصدت رؤى عدد من أهل الرأي ليتحدثوا عن هذا المرض الاجتماعي الخطير الذي يصيب الفرد ويعصف في المجتمع، وعواقبه وخيمة.
وسائل العلاج
يصف د. عبدالله بن إبراهيم الطريقي الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض سابقا الدواء لمشكلة السرف فيقول: إن هناك أكثر من وسيلة لعلاج هذا الداء، فالمسجد في المدينة بالنسبة للمسلم بمثابة القلب من الجسد، فهو ركن الحياة الحقيقي، ولهذا أمر الإسلام بعمارة المساجد حساً ومعنى، وحذر من تخريبها وهجرها والصد عنها، والمسجد وسيلة مهمة لتربية العقول والقلوب، فالمسلم وهو يتردد على المسجد يجالس الناس بطبقات مختلفة فيأخذ منهم الدروس والعبر، ومن الوسائل أيضاً المنبر، وهو محل الخطابة وإلقاء المواعظ.. والخطبة ذات شأن كبير في ميزان الإسلام، فقد شرعت في مناسبات كثيرة، وهي تقدم للمسلم النصح الإيماني والوجداني والوعظي والتربوي وهذا يزيد من إيمان المسلم، وثمة وسائل أخرى لعلاج السرف.. أهمها التربية التي تهتم بالتنمية الروحية، وما يتعلق بها من جوانب نفسية وعقلية، فالمنزل له أثره الكبير على أفراد الأسرة، والأبوان قدوة لأولادهما، فإذا كانا على استقامة استقاموا، وإن كان منحرفين انحرفوا، أما المدرسة ممثلة بالمعلم والشيخ والمنهج الدراسي، فالعلم فضيلة تدعو إلى خشية الله وأهل خشيته هم أهل كرامته، والمعلم حمل اقتداء مهما كان تخصصه، وكذلك المنهج الدراسي والمقصود به التنظيمات المتعلقة بالجانب العلمي، وفي مقدمتها الكتاب المدرسي أو المرجع العلمي، والمنهج وسيلة مهمة في العملية التربوية ولها أثرها البالغ على الطالب، لأنه يلتزم بها فيتفاعل معها ويرددها، كما يجتاز الاختبار، فإذا كانت المناهج محكمة متوائمة مع مستوى الطالب ومتناغمة مع ميوله وطموحه وملتزمة بمنهاج الإسلام وأصوله وقيمه، فإنها تصوغ عقولاً ناضجة ونفوساً مؤمنة راغبة في الخير راغبة عن الشر، أيضاً هناك الجليس الصالح، وكما يقول الطريقي إن المرء من جليسه كما في الحديث: (الرجل على دين خليله فلينظر أحكم من يخالل).
بجانب ذلك فهناك الوسائل التثقيفية التي تربط بعموم المؤسسات والدوائر والمدارس الحكومية وغير الحكومية، وهذه تقوم بأنواع نشاط وأعمال توعية عامة، أما داخل المؤسسة أو خارجها، ومن هذه الوسائل كما يرى د. الطريقي المحاضرات والندوات، واللوحات والملصقات الحائطية الإرشادية، والنشرات والمطويات الصغيرة، حيث إن هذه الوسائل مؤثرة وذات فاعلية على عموم الجماهير، فينبغي أن توجه إلى ما فيه مصلحة الدين والدنيا، بحيث تكون وسيلة بناء لا هدم، وإصلاح لا إفساد.
أما الوسائل الإعلامية وهي الصحف والمجلات والإذاعة، والمرئية، ووسائل التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها يراها د. الطريقي أنها اكتسبت أهمية خاصة نظراً لتنوع مادتها واعتمادها على أسلوب الإثارة، وكونها تخاطب الناس كافة على اختلاف أذواقهم وعقولهم وميولهم وأعمارهم وأجناسهم ولغاتهم وأديانهم.. ويقول: مما زاد في أهمية هذه الوسائل.
دور الأب في الأسرة
ويؤكد د. عبدالله الطريقي في رؤيته لعلاج مشكلة الإسراف والتبذير على أهمية دور الأسرة، فعلى الأب أن يلحظ سلوك التبذير في أسرته، وعليه دور التوجيه، وألا يمكن أفراد الأسرة من التبذير بل يعطي بقدر الحاجة، كما على الخطيب في المسجد أن ينبه دائماً على مظاهر التبذير والمغالاة في الأفراح وحالات الزواج، مشددا على القدوة الحسنة، وأهمية هذا العنصر الذي يؤدي دوراً كبيراً في حياتنا جميعاً فلنا في الأنبياء محل اقتداء دون منازع نظراً لكمالهم {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.
كما أن المسلم يجب أن يكون قدوة لغيره وأسوة طيبة لمن حوله، فها هو عمر بن الخطاب كان يحاسب نفسه وهو الخليفة على الإنفاق من بيت المال، ولهذا كان قدوة حسنة لرعيته، فكان إذا حاسبهم على شيء من المال لم تضق نفوسهم بالمحاسبة لما يعلمون من صدقه وروعه.
ويحذر د. الطريقي من الإسراف بكل أنماطه حتى الإسراف في الماء، وقصة سعد وهو يتوضأ، والرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإسراف في الماء، ولو كان على نهر يجري، وكذلك سلمان الفارسي كان يحضر وليمة فيأكل حاجته ويأمر المضيف بالزيادة من الأكل فيقول حسبي أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة.
تصوير الموائد
وتؤكد الدكتورة مريم الأحمد الأستاذ بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة بجامعة الكويت أننا نعيش اليوم في عالم يجمع المتناقضات، فبينما تتفشى ظاهرة الإسراف والتبذير في بعض المجتمعات ينتشر الفقر والمجاعات في مجتمعات أخرى، مشيرة إلى بعض أسباب هذه الظاهرة، ومنها: حالة الانفتاح التي يشهدها العالم اليوم، وما نتج عنها من وفرة غير مسبوقة في تنوع الطعام واللباس؛ وفي هذا المعنى يقول النبي -صلى اللّه عليه وسلم-: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا، كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم»، كما تعد المبالغة في تناقل صور الموائد عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز أسباب ظاهرة الإسراف والتبذير المرفوض شرعاً وعقلاً، والمخالف لمقاصد الشريعة في الحفاظ على النعم.
والأصل في تناول الطعام والشراب واللباس الإباحة، يقول تعالى في سورة الأعراف (32): {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، كما وردت العديد من الأدلة في القرآن الكريم والسنة النبوية تدل على منع الإسراف والتبذير، وأن بقاء النعم مرتهن بشكرها والقيام بحقها؛ منها قول اللّه تعالى في سورة الأعراف (31): {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النحل (120-121): {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
وأما السنة النبوية فقد جاء فيها الاعتبار للقمة الواحدة، والتمرة الواحدة، ولذا عبر بها النبي -عليه الصلاة والسلام- مراراً في حديثه، مما يدل على أهمية الحفاظ على النعمة ولو كانت قليلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- يخلط بعض المشروبات أو بشرب منقوع بعض الأطعمة قبل أن يدخله الفساد؛ إذ إن إعادة تحضير الأطعمة والمشروبات يحقق الانتفاع الكامل بها، ويمنع التخلص منها مع القدرة على الحفاظ عليها.
الفرق الكبير
ونبهت الدكتورة مريم الأحمد إلى أن ثمة فرقا كبيرا بين الإسراف المنهي عنه شرعاً، وبين الجود والكرم، فالجود يعني عدم البخل بما أنعم الله، بينما الإسراف أن تُهدر نعم اللّه تعالى.
وبذلك نرى أن النصوص الشرعية قد أرست مبدأ الاعتدال في المأكل والمشرب والملبس، ونهت عن مجاوزة الحد بالإسراف أو التبذير، لما فيه من إضاعة لواحد من أهم مقاصد الشريعة وهو مقصد حفظ المال.
مفاهيم خاطئة
والإسراف ليس مقتصرا على المأكل والمشرب والإنفاق، بل حتى في الأدوية الطبية، يقول الدكتور عروة بن محمد حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض: في الممارسة الطبية اليومية، قد يراجع بعض المرضى المستشفى وهم يحملون قناعة بأن علاجهم لا يكتمل إلا بالحصول على دواء معين، أو يصرون على وصف مضاد حيوي، أو مسكن قوي، أو حقنة، حتى وإن لم تكن حالتهم تستدعي ذلك. هذا السلوك قد يكون ناتجًا عن مفاهيم خاطئة أكثر من كونه حاجة طبية حقيقية، ويُطلق على الإفراط في طلب الأدوية أو التعلق بها أحيانًا مصطلح النهم الدوائي، إلا أن هذا المصطلح لا ينطبق على جميع الحالات. فكثير من المرضى لا يعانون من إدمان أو نهم، وإنما لديهم اعتقاد راسخ بأن كثرة الأدوية تعني جودة العلاج، أو أن الطبيب الجيد هو من يصف أدوية أكثر.
ومن الأسباب التي تدفع بعض المرضى للإصرار على أدوية معينة- والكلام للدكتور عروة حاميش أخصائي الباطنية بالرياض- تتمثل في تجارب سابقة يعتقدون أنها كانت ناجحة، ونصائح من الأقارب أو الأصدقاء، ومعلومات غير دقيقة من وسائل التواصل الاجتماعي، والخوف من أن المرض لن يزول دون دواء قوي، والاعتقاد بأن المضادات الحيوية أو الفيتامينات تصلح لكل الأمراض.
ويشدد الدكتور عروة حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض على دور الطبيب في التوعية، فالعلاج الناجح لا يعتمد على كثرة الأدوية، بل على اختيار العلاج المناسب للحالة، فصرف دواء غير ضروري قد يعرض المريض لآثار جانبية، ويزيد من مقاومة المضادات الحيوية، ويرفع تكلفة العلاج دون أي فائدة حقيقية، والعلاقة بين الطبيب والمريض يجب أن تقوم على الثقة والحوار، فالطبيب لا يمنع الدواء عن المريض، وإنما يحرص على أن يتلقى العلاج الذي يفيده بالفعل، لا العلاج الذي يرضيه مؤقتًا، وهنا يأتي الدور المحوري للتثقيف الطبي والتواصل بين الطبيب والمريض لصرف الأدوية التي تخدم صحة المريض وتقلل الآثار الجانبية للأدوية المستخدمة دون دواعي طبية.