في #كأس_العالم_2026 تشعر في كثير من المباريات وكأنك تشاهد اللقاء نفسه يتكرر بألوان قمصان مختلفة. استحواذ محسوب، وحذر مبالغ فيه، وتمركز دقيق، وانضباط تكتيكي صارم، حتى أصبحت المجازفة والإبداع الفردي استثناءً، بعد أن كانا جوهر اللعبة وسر جاذبيتها.
لقد تغيّرت كرة القدم كثيرًا فلم تعد تُدار بالعاطفة والحدس كما في السابق، بل أصبحت صناعة متكاملة تُبنى على البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتحليل الرقمي، واللياقة البدنية، وإدارة المساحات، وتقليل نسبة المخاطرة إلى أدنى حد ممكن، وأصبح الخطأ الواحد قد يكلّف بطولة، لذلك فضّل كثير من المدربين الانتصار بأقل قدر من المخاطرة على تقديم كرة قدم ممتعة.
ورغم هذا المشهد المتكرر، لا تزال هناك منتخبات ولاعبون يرفضون الاستسلام لهيمنة «كرة الآلة». فرنسا، بما تمتلكه من جودة هجومية وشخصية هجومية واضحة، تقدم نموذجًا أكثر تحررًا، كما أن لمسات ميسي ما زالت تذكر العالم بأن العبقرية لا يمكن اختزالها في الأرقام أو تقييدها بالرسوم التكتيكية. وبين الحين والآخر، تظهر مباريات تحمل الإثارة والجنون الكروي، فتؤكد أن روح اللعبة لم تمت، لكنها أصبحت أقل حضورًا.
المشكلة ليست في التطور التكتيكي بحد ذاته، بل في المبالغة فيه، فعندما يصبح الهدف الأول هو تجنب الخطأ بدلًا من صناعة الفرصة، وعندما يتحول اللاعب إلى منفذ تعليمات أكثر من كونه مبدعًا، فإن اللعبة تخسر جزءًا من هويتها التي أسرت قلوب الملايين لعقود.
لقد أصبح اللاعب الموهوب مطالبًا أولًا بالانضباط الدفاعي، والضغط، والالتزام بالمراكز، قبل أن يُسمح له بإظهار موهبته، وأصبح المدرب يفضّل اللاعب الذي ينفذ التعليمات بنسبة %100 على اللاعب الذي قد يغيّر نتيجة المباراة بلمسة لا يمكن التنبؤ بها.
لكن التاريخ يُخبرنا أن أجمل لحظات كرة القدم لم تكن نتاج الخطط وحدها، بل كانت ثمرة الإبداع الفردي. هدفٌ لا يُصدّق، مراوغة تكسر كل الحسابات، تمريرة من وحي الخيال، أو قرار جريء يتجاوز كل ما تقوله الشاشات والإحصاءات، تلك اللحظات هي التي بقيت في ذاكرة الجماهير، لا نسب الاستحواذ، ولا عدد التمريرات، ولا خرائط التحركات.
التطور أمرٌ طبيعي ومطلوب، والانضباط التكتيكي جزء أساسي من كرة القدم الحديثة، لكن عندما يطغى التنظيم على الإبداع، وتنتصر الآلة على الموهبة، فإن اللعبة تفقد شيئًا من روحها وجمالها.
كرة القدم ليست معادلة رياضية تُحل بالأرقام فقط، بل فنٌّ تُكتَب أجمل فصوله بالخيال، والجرأة، والموهبة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
هل نجحت كرة القدم الحديثة في الوصول إلى الكمال التكتيكي ... أم أنها دفعت ثمن ذلك بالتخلي عن جزء من متعتها وسحرها؟
لعل المستقبل لا يحتاج إلى مزيد من الانضباط بقدر ما يحتاج إلى استعادة التوازن؛ توازنٍ يجمع بين عقل المدرب، وحرية الموهبة، وبين التنظيم الذي يصنع الفريق، والإبداع الذي يصنع التاريخ.
** **
- صالح القبلان
x 1388hh