رحمكِ الله يا طيبة القلب يا حسنة الأخلاق رحلتِ لمالك المُلك رب العالمين الرحمن الرحيم رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
يوم الجمعة المبارك الرابع من محرم عام ثمانية وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة سيد ولد آدم -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن أرجى عمل يطمئن قلبي إليه.
إن الله لا يخيبك فيه لهو توحيد الله ولم نعهد عليك بحمد الله ما يخدشه ويضاده وينافيه بحمد الله، ثم الصلاة والحجاب، أما حسن الخلق وطيب المعشر مع والديك وأسرتك وكل من عرفك من المجتمع لهو حسن الخلق وعدم الوقوع في أعراض الناس بغيبة أو نميمة أو ما شابه ذلك، وقد كنتِ توقفين أي فرد من الأسرة أو خارجها حين الكلام عن أحد أو التطرق له بأي شكل كان وطوبى لك ذلك.
وقد جاء في حسن الخلق أحاديث متواترة عظيمة أذكر منها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خُلقه). (وإن أقرب الناس منه مجلساً يوم القيامة -صلى الله عليه وآله وسلم- أحاسن الأمة أخلاقاً). والحمد لله أسأل الله أن يكون لك ولنا وللموحدين الحظ الأوفر من ذلك.
ولا ننسى جانب الرحمة والشفقة والإحسان إلى الإنسان والحيوان فكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الراحمون يرحمهم الله).
حدثتني والدتك أنه في أحد الأعوام قبل سنوات وحين خروجكما من الحرم المكي الشريف وعند مواقف النقل الترددي، شاهدتِ عجوزاً طاعناً في السن محدودب الظهر وليس معه حذاء يقيه من حرارة الأرض المؤلمة وقد ارتفع النهار، فخلعتي حذاءك وناولتيه له فلبسها ومكثتم في المكان أكثر من ساعتين بدون حذاء في شدة حرارة الأرض، أسأل الله أن يتقبل لك هذا العمل وقد خرجتِ من حرم الله وفي طاعة الله كيف لا وربنا جل جلاله تقبل من امرأة سقت كلباً، وكذلك في رواية أخرى رجل سقى كلباً لا يؤبه به فكيف بك وقد أحسنتِ لهذا العجوز الذي جاء قاصداً لله ربّ العالمين في أطهر البقاع، أسأل الله أن يتقبله وأن يجعله حجاباً لك من خطر القبر وهول المحشر وعلواً لك في فردوسه الأعلى.
حضر في العزاء فريق من جمعية سنابل الخير الإنسانية يشيدون بأعمالك الخيرية ويثنون عليك خيراً، ونسأل الله أن تكون شاهدة لك بين يدي الله مولانا وإلهنا المَلك الحق المبين.
الأجل المسمى وعد لا ريب فيه قدّره الله على كل نفس سواه وهو الحي القيوم، لكنني رأيت عند وفاتك نضرةً وسروراً وبهاءً في وجهك لم أره حال حياتك ولم أره في ميت من المسلمين ولا من النساء المحارم، وايم الله ولا اتألى على جنابه العظيم لكأني أرى أثر قول الله تعالى بجزاء الأبرار: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (24) سورة المطففين. نحسبك والله حسيبك ولا نزكي على الله أحداً.
وقد استبشرنا لك بأنّ الله جل جلاله أكرمك بالشهادة إذ كان سبب وفاتك التردي والسقوط من على ظهر الحصان، والمتردي في حكم صاحب الهدم كما صح الحديث عن سيدنا رسول الله ونبيه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وكانت وفاتك يوم الجمعة والمتوفى يومها وليلتها، كذلك صحّ أنه يؤمن الفتان وهو سؤال القبر، وكان جرحك يثعب دماً من حين الوفاة وحتى تمام الغسل وتهيئتك للدفن ووضعك في قبرك الطاهر بحول الله وكرمه ولم يتوقف نهائياً.
ومما زادنا تفاؤلاً وتلك من علامات الشهداء التي نرجو الله بكرمه أن يبلغك درجتها، كذلك ثناء الناس العطر عليك عليك والحزن على فقدك والذي عمّ كل قريب أو بعيد عرفك.
تسابق الكثير من الأقارب والمعارف بل ممن سمع بوفاتك إلى إجراء أعمال خير وإحسان على نيتك من بناء مساجد وحفر آبار وأعمال وقفية عبر منصات التبرع وغيرها.
الكثير يظنّ أن لكِ خبايا من الأعمال الصالحة بينك وبين ربك الكريم الجواد.
فرحمك الله وأعلى منزلتك ونسأله أن لا يحرمنا شفاعتك فينا وما أعده من جزاء لعباده الحامدين له عند فقد الولد، وجعل عاقبة رحيلك علينا وعلى محبيك برداً وسلاماً وصلاحاً وفلاحاً وثباتاً على معالي القيم وصدق السير إلى الله الولي الحميد.
شكراً لجميع الأوفياء النبلاء الذين أحسنوا لنا المواساة والعزاء وأعظم ما في ذلك خالص الدعاء.
بُنيتي وشغاف قلبي
استودعكْ بالخير ربي
لم تدركي الثلاثين عاماً
بل فابشري بثواب ربي
أهل الجنان هُمُ شبابٌ
ونرجو الله لكِ(ي) بذا يُلبي
سلاماً أيها النفس النقية
سلام الله يغشاكِ بحبِ(ي)
وصلى الله تتراً مع سلامٍ
على المحمود مع آلٍ وصحبِ(ي)
(سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (58) سورة يـس.
** **
- عبدالرحمن الشهري