ليست الثقة الملكية منصبًا يمنح، بقدر ما هي أمانة تحمل، وشهادة قيادة لرجل رأت فيه الكفاية قبل الولاية، والاستحقاق قبل الاختيار. وإذا صدرت من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله ذلك القائد الذي عرف بسعة المعرفة، والحكمة والحنكة، ودقة قراءة الرجال، أدرك الناس وأهل الفكر أن وراء كل اختيار سيرةً ناطقة، وتجربةً راسخة، وعملًا شهد له الميدان قبل أن يشهد له القرار.
وفي يوم السبت السادس والعشرين من شهر الله المحرم، سعد الوطن بصدور الأمر الملكي الكريم بتعيين معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه أمينًا لمحافظة جدة بالمرتبة الممتازة، فكان خبرًا استقبله أهل التنمية والاقتصاد بالترحيب، وأرباب العمل المصرفي والبلدي والتنموي والعقاري والوقفي بكثير من الارتياح، ورواد الاستثمار بالتفاؤل، وسر به كل من عرف الرجل عن قرب، أو صحبه، أو عمل معه، أو وقف على أخلاقه قبل خبراته؛ لأنهم يعرفون الرجل بما قدم، لا بما تقلد، وبما صنع، لا بما أسند إليه.
أما راقم هذه الأسطر، فما دفعه إلى الكتابة هيبة المنصب، ولا بريق اللقب؛ فكم من منصب مر لا يذكره الناس، وكم من رجل بقي ذكره بعد أن غادر منصبه عمرًا. وإنما دفعتني إليها معرفة قديمة، وصحبة كريمة، وأخوة صادقة، رأيت فيها من معاليه كريم السجايا، ورفيع الشمائل، وسمو الأخلاق، ونبل النفس، وسعة الصدر، وحسن المعشر؛ فكان من الوفاء أن أذكر شيئًا من سيرته، اقتداءً بمعلم الإنسانية وهادي البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، الذي علم أمته أن نعرف لأهل الفضل فضلهم، ولأهل الإحسان إحسانهم، وأن يبقى جميل الذكر لمن يستحقه حيًا في ألسنة الناس، كما يبقى أثره في قلوبهم. وما أحسن ما قيل: إن من الوفاء أن تذكر محاسن الأحياء كما تذكر محاسن الراحلين، وأن يعرف لأهل الجميل جميلهم قبل أن يغيبوا عن الدنيا.
ومن هنا جاءت هذه الكلمات؛ لتقرأ شيئًا من سيرة رجل سبقت أخلاقه مناصبه، وسبقت خبراته تكليفه، حتى كانت الثقة الملكية تأكيدًا لمسيرة نجاح متنوعة، ومضيئة وطويلة. ولعلي في حروفي هذه أسير في تطواف سريع، أذكر فيه لمحةً عن رجل عرفته، وعرفه غيري بما ذكرته آنفًا؛ فهي حروف سطرتها، وكلمات رقمتها، من واقع معايشة ومرافقة وتجربة، لصاحب نفس رفيعة، ومعالي أخلاق قبل المناصب، متطلعة إلى كل فلاح ونجاح.
من طيبة بدأ الغرس.. وإليها بقي القلب
ولد معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه في أسرة مدنية الموطن، والحب، والنشأة؛ فالمدينة لا تورث أبناءها اسمًا فحسب، بل تورثهم سكينةً، وأدبًا، ووقارًا، وحبًا للناس، وتعظيمًا لشعائر الله، ومن أعظمها: حب الله ورسوله، وخدمة أمته، ومعرفة حق بلد الله الحرام، ومدينة خير الأنام، وتحقيق تطلعات قيادة هذا الوطن الكرام في كل أرجائه ومناحيه. وإن كان أعظم شرف فيه خدمة حرميه، كما يردده دومًا الملك المؤرخ، الموسوعي الثقافة، شيخ التاريخ والعلم، وركن المعارف الأهم، سلمان بن عبدالعزيز، رزقه الله الذكر الحسن العزيز. ومن نشأ في رحاب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفيأ ظلال مسجدها، وتنفس عبيرها، وإن أخذته المسافة عنها، لا يغادرها؛ وإن غادرها فبالجسد برهةً؛ فإن للمدينة سلطانًا على الأرواح لا تدركه المسافات، وسرًا في القلوب لا تصفه الكلمات. فهي مدينة الحب النبوي في جوار خير نبي، مدينة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهاجره، ومأرز الإيمان، وسيدة البلدان، ومهبط السكينة، وموطن القلوب المؤمنة ومهواها، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». وقال فيها أيضًا: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة».
فمن بركة حبه صلى الله عليه وسلم ودعائه لها، كانت لها بركات وفضائل فوق الأرض، وبركات وفضائل تحت الأرض، وبركات وفضائل يوم العرض. وهكذا كان شأن معاليه، شأن كثير من عشاق المدينة والهائمين فيها؛ يحملها في قلبه أينما ارتحل، ويرى فيها وطن الروح قبل وطن الجسد، ولسان حاله ما يردده بعض النبلاء الفضلاء الأنقياء الذين نشروا إلهامهم في القلوب الهائمة بالمدينة حبًا وشوقًا بنقش حروفهم وحفرهم لكلماتهم بقولهم: «نحن بخير ما دمنا في طيبة الطيبة». فعطر الله ذكر تلك الأرواح بما نقشت حيث كانت.
وهكذا معاليه، إذا أبعدته عن حبه المدينة مسؤولية، أو نأت به عنها مهمة، عاش الشوق والحنين إليها كما يعيش الظمآن شوقه إلى الماء؛ فهي عنده ليست موطنًا وذكريات فحسب، وإنما حياة تسري في الروح، ونعمة لا يعرف قدرها إلا من ذاق بركتها، ووقف يتنسم رياضها، ويتضوع عبيرها، ويستمد منها بركتها وأثر حبها وصفاء النفس، وطمأنينة القلب، وأنس الروح.
ولعل شيئًا من هذه الروح هو ما يلحظه كل من عرف معاليه: هدوء في الطبع، ولين في الجانب، وبشاشة في اللقاء، وسماحتك في النفس وسلامة في الصدر وتواضع لا تصنع فيه؛ وهي خصال طالما عرفت بها المدينة وأهلها. وقبل أن تعرفه ميادين الاقتصاد، وتحتفي به مؤسسات الاستثمار، وتفتح له أبواب القيادة والإدارة، عرفته طيبة الطيبة واحدًا من أبنائها البررة الهائمين فيها والعاشقين لها. ففي المدينة المنورة كانت لوعته وصباه، وعلى ثراها كانت نشأته ورباه، وبين نخيلها، وفي ظلال مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشكل وجدانه، وتهذبت أخلاقه، وتكونت شخصيته.
وحينئذ، إذا اجتمع شرف المكان بحسن التربية، خرجت شخصيات تحمل من سكينة طيبة، ورحابة أهلها، وسماحة مجتمعها، ووقار علمائها، ما يظل ملازمًا لها حيثما ارتحلت. ولقد كانت المدينة المنورة، عبر تاريخها، أكثر من مدينة يسكنها الناس ويهاجرون إليها؛ كانت بحراً للحب، ومدرسةً للأدب، ومحرابًا للإيمان، ومجمعًا للعلم، ومهوًى للأفئدة، وموطنًا لتزكية النفوس، ومأرزًا للإيمان، كما وصفها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. ومن عاش فيها صادق المحبة، عرف أن العلاقة بها ليست علاقة أرض وساكن، وإنما علاقة روح بمهوى روحها؛ ولذلك ترى أبناءها الصادقين في حبها وبرها والهيام فيها بشرف خدمتها يحملونها معهم أينما حلوا، فإذا ابتعدت أجسادهم بقيت قلوبهم معلقةً بها، وإذا فرقت بينهم وبينها المسافات، بقي الشوق يتوقد إليها يسكن الضلوع، فإذا ما حلوا بها تفجرت براكين الحنين فيها. ودونكم، يا أهل الشوق والحنين، ما في مدينة خير النبيين ؛ ففيها حنين الجذع شوقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها نطق جبلها. أحد بالحب، حتى استقر مكانه استجابةً له صلى الله عليه وسلم وادبا وفيها سبح الحصى إجلالًا، وأضاءت له المدينة حبًا وجمالًا.
أرومة عريقة.. صنعت الرجال.. وبيت تعاقبت عليه المكارم.. كما تعاقبت عليه الأيام
وقبل الحديث عن بعض خبرات معاليه العملية والوظيفية والعلمية، ناسب أن أغترف من بحر سيرته رشفةً من تاريخ أسرته ونشأته، فإذا زكا الأصل، رقي وتبارك الفرع. فلئن كان شرف المكان يصنع في النفوس أثرًا، فإن شرف المنبت يزيد ذلك الأثر رسوخًا؛ ولم يجتمع لمعالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه شرف المكان فحسب، بل اجتمع إليه شرف المنبت؛ فقد نشأ في بيت مدني عريق، اقترن اسمه بتاريخ المدينة المنورة، وتعاقبت فيه أجيال جعلت من العلم رسالة، ومن خدمة الناس عبادة، ومن شرف النسب مسؤولية؛ فهو من بيت عريق ظل قرونًا جزءًا من تاريخها العلمي والاجتماعي. ولم يكن أسلافهم رجال علم فحسب، بل كانوا رجال عمل وقيادة، حملوا مسؤوليات كباراً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أمانة العلم، والقيام بخدمة المسجد النبوي الشريف، وتولي شؤون قومهم وبني أبيهم من السادة والأشراف؛ فشاركوا في صناعة تاريخ طيبة الطيبة بكل سيرة طيبة، حتى أصبح ذكرهم جزءًا من ذاكرتها. فأسرة آل بافقيه بيت كريم الأصل، شريف النسب، يمتد نسبه إلى سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد شباب أهل الجنة، سيدنا الشهيد السعيد الحسين بن علي رضي الله عنهما. فاجتمع لهم شرف النسب، وكرامة العلم،
وحسن الخدمة، وتوارث الأبناء عن الآباء، قبل الأسماء، معاني الرسالة، وحمل الأمانة، وخدمة الناس. ومما ذكره علماء التاريخ والنسب، كصاحب المعجم اللطيف، الأديب المؤرخ محمد بن أحمد الشاطري، أن سبب تلقب أسرتهم وتسميتها بـ«بافقيه» أنها أسرة عرفت بالفقه، وكان منها كثير من الفقهاء المحققين. ومما سطرته عنهم المحابر، ودونته الدواوين والوثائق والدفاتر، ورواه الثقات الأكابر، أن عددًا منهم تولوا منصب الإفتاء على مذهب الإمام الشافعي، وإليهم كانت مشيخة الشافعية في المدينة المنورة النبوية، كما تشرفوا بإمامة المسجد النبوي الشريف وخطابته، وتقلدوا نقابة السادة الأشراف، ومشيخة السادة بالمدينة، ونظارة أوقافهم، ونظارة دور الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وغيرها من المهام الكبيرة الرسمية والعلمية والاجتماعية؛ وهي مناصب لم تكن تشريفًا بقدر ما كانت تكليفًا، ولا وجاهةً بقدر ما كانت خدمةً للدين وأهله.
ومن أعيان وقامات هذا البيت العريق، الذين تولوا منصب مفتي الشافعية، وإمامة المسجد النبوي وخطابته، ونقابة الأشراف، ومشيخة السادة: السيد العلامة حسين بن عبدالله بافقيه الحسيني، والسيد العلامة عباس بن حسين بافقيه الحسيني، والسيد العلامة محمد مكي بن حسين بافقيه الحسيني، والسيد العلامة علوي بن أحمد بافقيه الحسيني؛ ذلك الرجل الذي وافته المنية في القدس سنة 1333هـ، وهو يقود راية أهل المدينة في ميادين القتال إبان الحرب العالمية الأولى، فكانت حياته شاهدًا على أن هذه الأسرة لم يكن عطاؤها في المحاريب وحدها، بل امتد إلى ميادين المعارك وساحات الوغى. ولما أشرقت شمس الدولة السعودية الثالثة على المدينة المنورة، كان رجال هذه الأسرة في مقدمة المستقبلين للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل رحمه الله عند قدومه التاريخي في أول زيارة له إلى طيبة سنة 1345هـ، فاستقبلوه مع رجالات وأعيان المدينة في ذلك المشهد الكبير الذي خاطب الملك عبدالعزيز فيه أهل المدينة في العنبرية، في حفل استقبالهم له، فقال: «يا أهل المدينة، كبيركم كأبي، ومن هو في سني كأخي، ومن يصغرني فهو كابني». ومما قاله -رحمه الله- في حبه للمدينة، ذلك الحب الذي ورثه أبناؤه وأحفاده من بعده بكل أمانة «هذه المدينة نفديها بأرواحنا وبالأنفس». وفي مثل هذه البيوت لا تكون التربية وصايا تلقى، بل سيرةً ترى، وقدوةً تقتدى، وميراثًا من القيم يتناقله الأبناء كما يتناقلون أسماء آبائهم؛ فينشأ الفتى وهو يعلم أن المناصب لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم الذين يرفعون قدر المناصب، وأن بقاء الذكر إنما يكون بحسن العمل، وطيب الأثر لا بعلو المنزلة. ومن هذه الأرومة المباركة، وذلك الغرس الطيب، خرج معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه، يحمل من أصالة النشأة ما يزكي الخلق، ومن عبق المدينة ما يورث السكينة، ومن تاريخ أسرته ما يغرس في النفس معنى المسؤولية قبل معنى المنصب والوجاهة. ولعل المتأمل في سيرته يدرك أن كثيرًا من خصاله إنما هو امتداد لذلك الإرث؛ فلا تكلف في تواضعه، ولا تصنع في أدبه، ولا استعلاء في معاملته، وإنما سجية نشأ عليها، ورباه عليها بيت عرف أن أعظم ما يورثه الآباء للأبناء ليس المال ولا الجاه، وإنما حسن الخلق، وطيب الذكر، وصالح الأثر.
شهادة معايشة من واقع.. لا رواية وحكاية سامع
ولئن كانت السير الذاتية تعرف الناس بالمناصب، فإن المجالس تكشف لهم معادن الرجال، ولقد جمعتني بمعالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه أخوة وصداقة وصحبة، عرفت معها الرجل في أحاديثه، ومجالسه، ومواقفه، لا في سيرته المكتوبة ومناصبه المتعددة فحسب. ومن المجالس التي بقي أثرها في نفسي، آخر مجلس تشرفت فيه بمرافقته فيه، قبيل صدور الثقة الملكية بأيام، في دارة حميد الشيم، رفيع القيم، سعادة اللواء م محمد بن سليمان الطيار، مساعد قائد لواء الملك فيصل بالحرس الوطني سابقًا؛ ذاك القامة الوطنية كريم اليد والنفس. وكما وصفه ذلك اليوم المؤرخ الآثاري، البروفيسور الدكتور أحمد الزيلعي، الأمين العام لجمعية التاريخ والآثار، بأنه: «الشهم الكريم، طلق المحيا». وهي شهادة من مؤرخ خبر الرجال، وعرف البيوت، وعاش الأصالة بحثاً وتنقيباً،
وأفنى عمره في قراءة تاريخ الجزيرة وأعلامها، وسبر مواقفها الكريمة ورقي أفعالها. كانت تلكم الليلة ليلةً استثنائية؛ فكانت بالكرم والكرام والمكارم فاخرة، وبالمعارف والثقافة والتاريخ زاخرة، وبالود والحب باذخة، ورفيع الحوار والوفاء راقية؛ ازدانت بحضور جمع من أصحاب المعالي والسعادة، والعلماء، ومن شيوخ القبائل من بني قومه وأبيه، وأعيان الأسر المدنية؛ فاجتمع فيها العلم بالأدب، والتاريخ بالوفاء، والمحبة بالإخاء، وتعانقت القرابات ولسان حالهم (أهل بأهل وإخوان). فرفع الله بالذكر قدر مضيفنا أبي راكان، وزاده شرفًا وفضلًا، وحبًا لمدينة سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم؛ كما زاده بالشوق والحنين إليها وخدمتها في أهم مناحيها، فهو بحق قد جمع كريم الخلال، حتى غدت داره مقصدًا للعلماء والأدباء، وأعيان المدينة، وأهل الفكر والمعرفة، وهو، كما وصف، امتداد لأسلافه الكرام بحور السخاء، ومنابع العطاء من بني جعفر أهل الوفاء. وفي تلك الليلة والأمسية المباركة رأيت مشهدًا وملمحًا من أخلاق معالي الأستاذ إحسان بافقيه على حقيقته؛ رأيته يدخل فيسبق تواضعه حضوره، ويجلس فيحوطه الأدب من كل جانب، ويتحدث فينتقي عباراته كما ينتقي الكريم هداياه، ويستمع فيشعرك أن حديثك هو أهم ما في المجلس. لم أر المنصب يتقدم عليه، بل رأيت الإنسان يسبق المنصب، والأخلاق تعلو على الألقاب، والوقار يزين التواضع، والتواضع يزيد الوقار جمالًا. وهكذا هي الثقة بالنفس: مصنع للرجال، ومستودع لمن رام كريم الخصال؛ يكون المرء بها ثابتًا بذاته وحاله، طوال مراحل حياته ومراتبه.
تواضعه حضوره، ويجلس فيحوطه الأدب من كل جانب، ويتحدث فينتقي عباراته كما ينتقي الكريم هداياه، ويستمع فيشعرك أن حديثك هو أهم ما في المجلس. لم أر المنصب يتقدم عليه، بل رأيت الإنسان يسبق المنصب، والأخلاق تعلو على الألقاب، والوقار يزين التواضع، والتواضع يزيد الوقار جمالًا. وهكذا هي الثقة بالنفس: مصنع للرجال، ومستودع لمن رام كريم الخصال؛ يكون المرء بها ثابتًا بذاته وحاله، طوال مراحل حياته ومراتبه.
وبعد صدور الثقة الملكية الكريمة، ازددت يقينًا بأن الثقة لم تصنع هذا الرجل، وإنما كشفت للناس ما كان مستقرًا فيه من كريم السجايا، ونبل الطباع، ورجاحة العقل، وأن الأخلاق إذا رسخت في النفس بقيت معها في كل مراحل الحياة، لا تزيدها المناصب إلا وضوحًا، ولا تكسوها الولايات إلا إشراقًا.
مسيرة صنعتها التجارب.. حتى استحقت الثقة
معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه، جمع إلى أصالة النشأة، سعة التحصيل؛ فتلقى تعليمه في وطنه، ثم نال درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من كلية وستمنستر بمدينة سولت ليك سيتي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأتبعها ببرامج مهنية متخصصة في التخطيط المالي، والائتمان، والإدارة، وقياس الأداء المؤسسي؛ فجمع بين العلم الذي يؤصل، والتجربة التي تصقل، وبين المعرفة المحلية، والاطلاع على التجارب العالمية. وكان كريمًا بنفسه، وفكره، وخدمته لكل من حوله، ولكل من وفد إليه أو قصده؛ يرى في خدمة الناس والمجتمع رسالةً، وفي بذل المعروف فضيلةً. وإني لأذكر كلمات نثرها صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن خالد الفيصل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة المدينة المنورة الأسبق، في فترة نيابته، تترجم شمائل من عقدت حروفي هذه بذكره في مناسبة عزاء لأسرة معاليه، قال فيها سموه: (الأخ إحسان.. من خيرة الزملاء الذين عملنا سويًا عدة سنوات..
والحقيقة هو من القادة القليلين الذين دائمًا يسعون لإيجاد حل، ولا يغلقون الباب أمامك.. دائمًا عندما يواجه تحديًا معينًا، وطلبًا معينًا، يسعى لإيجاد حل، حتى لو لم يكن الحل الذي طلبته من البداية. فغالبًا يعطيك، ويرجع إليك بحل أفضل.. وله فضائل في المدينة، والمدينة لا فضل لأحد عليها. لكن في وقته استطعنا أن ننجز كثيرًا من الأعمال الواقعة، سواء التي تخص عقارات الدولة، أو التي استحدثت في وقته، وسارت بطريقة سهله ولله الحمد).ولقد صدق سموه، وهو الذي عرفه الجميع بالأدب وحسن الجوار فيها؛ فلا فضل لأحد على المدينة، فالمدينة هي المتفضلة علينا ببركتها، وفضلها، وخيريتها، وإيمانها، وسكينتها، وحبها، وشرف مسجدها، وقبره صلى الله عليه وسلم، وروضته، ومحرابه، ومنبره.
وهذا هو لسان حال معاليه فيها؛ فهو دائم الاستشعار لجميل تلك المعاني، وكثير اللهج بجليل ما يليق بذلك من رفيع المباني. لقد كانت لمعاليه رحلة علم وعمل امتدت لأكثر من ربع قرن، لم تعرف التوقف عند ميدان واحد، بل تنقلت بين المصارف، والاستثمار، والعقار، والتنمية، والعمل الحكومي، والوقفي، والاستشاري؛ حتى غدت خبراته روافد متعددةً تصب في نهر واحد، هو خدمة الاقتصاد، وبناء المؤسسات، وتنمية الإنسان والمكان. فتولى عددًا من المهام القيادية، منها:
- محافظ الهيئة العامة لعقارات الدولة بالمرتبة الممتازة، خلال الفترة من 2017 إلى 2023م.
- الرئيس المالي التنفيذي للهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن)، خلال الفترة من 2009 إلى 2011م.
- رئيس مجلس المديرين لشركة سليمان الراجحي القابضة منذ عام 2025م، ومن خلالها أدار بمهارة أحد أكبر وأهم الأوقاف الإسلامية، فالتقت في شخصيته خبرة الاستثمار برسالة الوقف.
- الرئيس التنفيذي لشركة محمد إبراهيم السبيعي وأولاده للاستثمار (ماسك)، خلال الفترة من 2011 إلى 2019م.
- رئيس مجلس إدارة البلاد المالية منذ عام 2023م.
- المدير الإقليمي للمنطقة الوسطى (إدارة الاستثمار) في البنك الأهلي التجاري.
- مدير إدارة تطوير الأعمال، وعضو الفريق المؤسس في إتش إس بي سي العربية السعودية المحدودة (HSBC)، خلال الفترة من 2004 إلى 2006م.
- رئيس مجلس إدارة شركة إسكان حقل الفاضلي، وهي شراكة بين شركة محمد إبراهيم السبيعي وأولاده للاستثمار (ماسك)، وصندوق أرامكو التقاعدي (سايمكو).
- نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة النهلة منذ عام 2025م.
- عضو مجلس الإدارة ورئيس اللجنة التنفيذية لشركة الرياض القابضة، الذراع الاستثمارية لأمانة الرياض.
- رئيس مجلس إدارة شركة التطوير التقني للاستثمار منذ عام 2022م.
- عضو مجلس إدارة شركة كدانة المعنية بالبناء، التابعة للهيئة الملكية لتطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
- عضو مجلس إدارة شركة ذاخر للاستثمارات العقارية.
وامتدت مسؤولياته إلى رئاسة وعضوية عدد من أبرز الكيانات الاقتصادية، كما شارك في عدد من اللجان الوطنية المرتبطة بالعقار، والاستثمار، والتنمية، وإزالة عشوائيات جدة، وتطوير المدن، والشراكة بين القطاعين العام والخاص. وشارك كذلك في عدد كبير من المجالس، واللجان، والمبادرات الوطنية، في وزارات وهيئات، وكيانات اقتصادية، ومصرفية، واستثمارية، وبلدية، وتنموية، وعقارية، واستشارية؛ وهي قائمة يطول استقصاؤها، ويعسر حصرها، غير أنها جميعًا تشهد باتساع تجربته، وتنوع عطائه، وعمق حضوره في ميادين البناء والتنمية، حتى أصبح من الكفاءات الوطنية التي اجتمع لها عمق التجربة، وسعة الرؤية، ورجاحة القرار.
وكان، وفقه الله، من خلال تلك المهام، يبني منظومةً استثماريةً متنوعة، ويرسخ مفاهيم الحوكمة، ويعزز الشراكات، ويسهم في بناء كيانات مؤسسية راسخة، ويطور بنيتها المالية والإدارية، حتى نال جائزة أفضل مدير مالي في الشرق الأوسط للقطاع الحكومي لعام (2010م). وليس ما تقدم إلا غيضًا من فيض، ولمحةً من مسيرة طويلة، وخبرات واسعة، سبقت صدور الثقة الملكية بتعيينه أمينًا لمحافظة جدة؛ ليسهم، بعون الله، في أن تكون جدة مدينةً عامرةً، كما هي تطلعات قيادتنا الحكيمة، وواجهةً حضاريةً تليق بثغر مكة، وبوابة الحرمين الشريفين.
جدة.. على موعد مع حسن القيادة والإتقان.. مع ابن طيبة إحسان
لعل من جميل أقدار الله أن يكون القادم إلى خدمة جدة، بوابة الحرمين وثغر مكة المكرمة المعظمة، رجلًا تفتح وعيه، وصاغ فكره، وتهذبت روحه في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم المنورة المشرفة، وترعرع في ظلال مسجده، ونهل من معينها الذي لا ينضب، فشب وقلبه معلق بمدينة علمت أبناءها أن العمران لا يقوم بالحجارة وحدها، وإنما يقوم قبل ذلك بالإنسان، وأن رفعة المدن من رفعة أخلاق أهلها، كما أن جمال طرقاتها من جمال قيمها. ولم تكن المدينة أولى محطات حياته فحسب، بل كانت أول مدرسة صاغت وجدانه، ثم مضى بعد ذلك بين جدة والرياض، وبين الداخل والخارج، يزداد علمًا بالتجربة، وخبرةً بالناس، واتساعًا في الأفق، حتى اجتمع له من تنوع البيئات، واختلاف المدارس، وتعدد المسؤوليات، ما قل أن يجتمع لرجل في مثل عمره.
وجدة اليوم ليست في حاجة إلى أمين يدير المرافق فحسب، وإنما إلى رجل يعرف كيف تدار المدن وهي تقبل على مستقبلها، وكيف يصنع التوازن بين الاقتصاد والعمران، وبين الاستثمار والإنسان، وبين أصالة المكان وتاريخه، ومتطلبات الزمن وحاجاته، والصلة بالمجتمع وأهله، وهذه معان لا تؤخذ من الكتب وحدها، وإنما تنضجها الأيام، وتهذبها التجارب، وتمنحها ميادين العمل.
ولعل هذه هي الخصيصة التي تميز معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه؛ فقد جاءت خبرته من ميادين متباينة، لكنها التقت عند غاية واحدة. نشأ في أسرة خالطت المجتمع بشرف خدمته، وحصل من العلم ما يعينه على حمل مهامه، وعرف عالم المال حتى أتقن لغته، وخبر الاستثمار حتى أحسن قراءة فرصه، وخالط القطاع العقاري حتى أدرك صناعة المدن أثره في صناعة المدن، وعاش التجربة الحكومية حتى خبر صناعة القرار، وحمل هم التنمية حتى غدت عنده رؤيةً لا وظيفة، ورسالةً لا منصبًا. وليس ذلك علمًا نظريًا، ولا خبرةً عابرة، وإنما رحلة امتدت أعوامًا طويلة بين المؤسسات المصرفية، والبيوت الاستثمارية، والشركات العقارية، والهيئات الحكومية، ومجالس الإدارات، حتى غدت التجربة عنده بناءً متكاملًا، يشد بعضه بعضًا، ويكمل بعضه بعضًا. ثم جاءت هذه الثقة الملكية الكريمة، لتضع الرجل في موضع هو أهل له، وتضع جدة بين يدي تجربة ناضجة، نرجو أن ترى فيها امتدادًا لما تعيشه بلادنا من نهضة كبرى، يقودها خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد الأمين، وفقهما الله.
وإني إذ أرفع لمعاليه أصدق التهاني بهذه الثقة الغالية، أرفعها كذلك إلى جدة وأهلها، وإلى كل محب لهذه المدينة، سائلًا الله تعالى أن يوفقه، ويسدد خطاه، ويبارك في عمره وعمله، ويجعل على يديه الخير الكثير. فهنيئًا لجدة بابن من أبناء طيبة، حمل من المدينة وقارها، ومن أسرته أصالتها، ومن العلم نوره، ومن التجربة نضجها، ومن الأخلاق سموها، ومن الوفاء أجمله. فاللهم وفق عبدك إحسانًا إلى كل عمل فيه إحسان، واجعله من أهل التوفيق والإتقان. اللهم بارك له بصلاح القول والعمل، والسداد والرشاد، في خدمة البلاد والعباد.
{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.
** **
د. عصام بن ناهض الهجاري الشريف - مستشار أمير المدينة المنورة سابقاً - عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة