«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في الفن، لا تُقاس بعض الأغنيات بعدد دقائقها، بل بما تختزنه من حكايات. فقد تولد من كلمات قليلة، لكنها تحمل خلفها سنوات من الغياب، وذاكرة من الإبداع، ووعدًا انتظر طويلًا حتى يجد طريقه إلى النور.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة واحدة من أكثر حكايات ألبوم الفنان المصري عمرو دياب الجديد «حبيتِك» دلالة؛ فالألبوم، الذي يضيف محطة جديدة إلى مسيرة فنية تمتد لأكثر من أربعة عقود، لا يقدّم مجموعة من الأغنيات فحسب، بل يلتقي في إحدى حكاياته شاعر وملحن وفنان، لتتحول الأغنية إلى مساحة لاستعادة الأسماء، وتجديد الثقة، وفتح نافذة جديدة في جدار الغياب.
في قلب هذه الحكاية، يحضر المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، بوصفه شاعرًا يكتب أحيانًا تحت اسم «رَزّام»، ويترك للنص أن يتقدم على صاحبه. وفي ألبوم «حبيتِك»، الذي يضم 12 أغنية، كتب آل الشيخ كلمتي «اتأخر عتابنا»، بألحان عمرو مصطفى، و«جيتلك»، بألحان نادر نور.
وبينما تأتي «اتأخر عتابنا» امتدادًا لتعاون فني جمع آل الشيخ بعمرو دياب في أعمال سابقة، تحمل «جيتلك» حكاية أكثر اتساعًا من حدود الأغنية؛ فهي ثمرة وعد قطعه آل الشيخ للملحن نادر نور، بعدما تحدث الأخير عن سنوات من الابتعاد عن الساحة الفنية، وعن شعوره بأن المسافة بينه وبين الوسط الغنائي قد اتسعت، رغم ما قدمه من أعمال تركت حضورًا في ذاكرة الأغنية المصرية.
وكان نادر نور قد عبّر عن معاناته من تراجع فرص العمل خلال السنوات الأخيرة، وابتعاده عن المشهد رغم رصيده الفني، مشيرًا إلى أنه فقد التواصل مع عدد كبير من أبناء الوسط الفني الذين جمعته بهم سنوات طويلة من العمل. وفي خضم هذه الحالة، جاء تفاعل تركي آل الشيخ برسالة تختصر كثيرًا من المعاني: «أنت فنان كبير وأنا حابب أشتغل معاك».
لم تبقَ العبارة في حدود التشجيع؛ فقد تحولت إلى عمل فني جمع كلمات «رَزّام» بألحان نادر نور وصوت عمرو دياب. وهكذا، عاد نور إلى التعاون مع «الهضبة» بعد أكثر من عقدين من الغياب، عبر أغنية حملت في صناعتها معنى الوعد الذي وجد طريقه إلى الواقع. وبعد طرح الألبوم، عبّر نادر نور عن امتنانه لتركي آل الشيخ، مؤكدًا تقديره لدعمه وتشجيعه، وللدور الذي يقوم به في دعم عدد من المشاريع الفنية والفنانين، كما وجّه شكره إلى عمرو دياب على منحه فرصة العودة إلى مساحة فنية جمعتهما قبل أكثر من 20 عامًا. ووصف نور «جيتلك» بأنها ليست مجرد أغنية، بل «شهادة ميلاد جديدة» أعادته إلى التنفس الفني من جديد.
وهنا تتجاوز «جيتلك» حدودها الموسيقية؛ فهي لا تمثل عودة ملحن إلى ألبوم فحسب، بل عودة اسم إلى مساحة يليق بها، وتجدد ثقة بموهبة أبعدتها السنوات عن الواجهة، وتستعيد تعاونًا فنيًا انقطع طويلًا. وفي هذه الصورة، يبدو الفن في واحدة من أجمل وظائفه: أن يتذكر الذين صنعت موهبتهم جزءًا من ذاكرته.
أما «رَزّام»، الاسم الأدبي الذي يستخدمه تركي آل الشيخ في عدد من أعماله الغنائية، فيحضر بوصفه توقيعًا يترك للنص أن يتقدم على صاحبه؛ فالشاعر لا يبحث دائمًا عن أن يُرى، بقدر ما يبحث عن أن تصل الكلمة، وأن تجد صوتها، وأن تعبر إلى الجمهور عبر الأغنية.
ويمتد حضور آل الشيخ في تجربة عمرو دياب إلى عدد من الأعمال الغنائية السابقة، في علاقة فنية اتسعت مع الوقت إلى مساحة من الصداقة والتقدير المتبادل. وفي «حبيتِك»، يتجدد هذا التعاون من خلال أغنيتين، تلتقي فيهما خبرة «الهضبة» مع نصوص شاعر اختار أن يترك أثره في الأغنية قبل أن يترك اسمه عليها.
ويضم الألبوم 12 أغنية، شارك في صناعتها عدد من أبرز الشعراء والملحنين والموزعين، إلى جانب أسماء جديدة تدخل للمرة الأولى إلى عالم عمرو دياب. كما يشارك «الهضبة» في تلحين عدد من أعماله، من بينها «لولا البنات» و«بحاول»، في ألبوم يواصل من خلاله مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود.
لكن خلف الضجيج الذي يصاحب صدور الألبومات، وخلف الأرقام والمنصات وقوائم الاستماع، تظل بعض الأغنيات أكثر من أغنيات. و«جيتلك» واحدة منها؛ لأنها تحمل في لحنها عودة، وفي كلماتها وعدًا، وفي صوت عمرو دياب ذاكرة فنية طويلة.
هكذا، لا يكتفي تركي آل الشيخ في هذه التجربة بكتابة نصين غنائيين؛ بل يترك خلفهما حكاية أكبر عن الإيمان بالموهبة، وعن الفن حين يتحول من مساحة للعرض إلى مساحة للإنصاف. وحين تتحول جملة مثل «أنا حابب أشتغل معاك» إلى أغنية، فإنها تقول لنادر نور، ولغيره ممن ينتظرون فرصة العودة، إن بعض الأبواب لا تُغلق إلى الأبد؛ ما دام هناك من يتذكر أن خلف الغياب موهبة تستحق أن تُسمع.