«الجزيرة» - وائل العتيبي:
انطلقت (الجمعية الأولى) في مخيمها الصيفي «صيف الأولى»، الذي يستهدف أكثر من 200 طفل وطفلة، ويقدم تجربة تتجاوز مفهوم المخيم الصيفي التقليدي؛ إذ يجمع بين التعلم واللعب والرياضة واكتشاف المواهب، ويضع الطفل في بيئة آمنة ومحفزة لا تمنحه المعرفة فحسب، بل تساعده على بناء الثقة بنفسه، والقدرة على التجربة، والإيمان بأن لديه ما يمكن أن يقدمه.
وتأتي هذه التجربة امتدادًا لدور الجمعية الأولى في الاستثمار المبكر في الإنسان، من خلال برامج تضع الطفل في قلب العملية التنموية، وتتعامل مع الطفولة لا بوصفها مرحلة انتظار للمستقبل، بل باعتبارها المرحلة التي يبدأ فيها المستقبل بالتشكل. فكل مهارة يتعلمها الطفل، وكل سؤال يجرؤ على طرحه، وكل تجربة يخوضها، قد تصبح لبنة في شخصيته وقدرته على مواجهة الحياة. وفي «صيف الأولى»، تتحول المعرفة من مفهوم نظري إلى تجربة حية؛ إذ يتعرف الأطفال إلى الطباعة باللمس، وصناعة الروبوتات، والمهارات الرقمية، ضمن منهجية STEAM التي تجمع بين العلوم والتقنية والهندسة والفنون والرياضيات. غير أن القيمة الأهم لا تكمن في الأدوات وحدها، بل في الطريقة التي يتعلم بها الطفل؛ فالفكرة تصبح محاولة، والمحاولة تتحول إلى اكتشاف، والاكتشاف يفتح الطريق أمام التفكير الإبداعي والابتكار وحل المشكلات والعمل الجماعي.
وتحضر الرياضة بوصفها جزءًا أصيلًا من بناء الشخصية، من خلال أنشطة السباحة وكرة القدم وكرة السلة والجمباز والكاراتيه، بإشراف مدربين متخصصين. وفي هذه المساحات، يتعلم الطفل أن التعثر ليس نهاية الطريق، وأن الفوز لا يعني دائمًا الوصول أولًا، وأن العمل مع الآخرين قد يكون أحد أبواب النجاح. كما تسهم الرياضة في تعزيز اللياقة والانضباط والثقة بالنفس، وترسيخ قيم التعاون وروح الفريق.
ولأن الطفل لا ينمو منفصلًا عن بيئته، امتدت تجربة «صيف الأولى» إلى الأمهات عبر برنامج يضم لقاءات وورش عمل وأنشطة تطويرية. فتمكين الطفل لا يكتمل بعيدًا عن الأسرة؛ والمهارة التي يكتسبها في المخيم تحتاج إلى بيت يفهمها ويحتضنها ويمنحها فرصة للنمو. ومن هنا، يأتي إشراك الأمهات تأكيدًا على أن التنمية الحقيقية لا تُبنى حول الفرد وحده، بل من خلال منظومة متكاملة تتشارك فيها الأسرة والمؤسسات والمجتمع مسؤولية صناعة الإنسان.
ويشارك في تنفيذ المخيم مدربون متخصصون، إلى جانب متطوعين ومتطوعات يساهمون في تنظيم الأنشطة والإشراف على الأطفال، في صورة تعكس قيمة العمل المجتمعي في بناء بيئة أكثر عناية بالطفولة. فالمخيم لا يقدم برنامجًا موسميًا فحسب، بل يجمع حول الطفل شبكة من الخبرات والجهود التي تؤمن بأن العناية بالبدايات قد تصنع فارقًا كبيرًا في النهايات.
وتقول المدير التنفيذي للجمعية الأولى، الأستاذة عبير جميل أبوسليمان: «في الجمعية الأولى نؤمن بأن تمكين الطفل يبدأ بإتاحة الفرص التي تطور مهاراته وتطلق طاقاته. لذلك صُمم «صيف الأولى» ليمنح الأطفال تجربة متكاملة تجمع بين التعلم والتطبيق، وتنمي مهارات القرن الحادي والعشرين من خلال برامج STEAM والروبوتات والمهارات الرقمية، إلى جانب الأنشطة الرياضية التي تسهم في بناء شخصية متوازنة. كما حرصنا على أن تكون الأسرة جزءًا من هذه الرحلة عبر برنامج نوعي للأمهات، إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان».
وتتجاوز قيمة «صيف الأولى» ما يحدث داخل قاعات التدريب وملاعب الأنشطة؛ فهي تكشف جانبًا من فلسفة العمل الخيري المؤسسي حين يتحول من فكرة عامة إلى منظومة دقيقة تبدأ بالتخطيط، وتمتد إلى التنفيذ، وتنتهي بقياس الأثر. فزيارة الجمعية، كما تقول عبير جميل أبوسليمان، ليست مجرد جولة تعريفية، بل تجربة حقيقية لفهم تفاصيل العمل الخيري المؤسسي، من صناعة القرار إلى وصول الأثر إلى المستفيدين.
ولعل «صيف الأولى» يقدم صورة واضحة لهذا المعنى؛ فالمخيم لا يعد الأطفال بمستقبل جاهز، ولا يرسم لهم طريقًا واحدًا، بل يمنحهم الأدوات الأولى لاكتشاف الطريق بأنفسهم. طفل يتعلم مهارة جديدة، وآخر يكتشف شغفًا لم يكن يعرفه، وثالث يكتسب ثقة تجعله أكثر استعدادًا للمحاولة؛ تفاصيل قد تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها قد تكبر مع الطفل وترافقه طويلًا.
هكذا، تواصل الجمعية الأولى الاستثمار في الإنسان من بداياته، عبر برامج ترى في الطفل طاقة للمستقبل، وفي الأسرة شريكًا في التمكين، وفي المجتمع مسؤولًا عن صناعة بيئة تمنح أبناءه فرصًا عادلة للنمو. وفي ظل ما تشهده المملكة من دعم متواصل للعمل التنموي والقطاع غير الربحي، تتأكد حقيقة أن بناء الإنسان هو جوهر التنمية وغايتها.
فالمستقبل لا يبدأ دائمًا من قرار كبير؛ أحيانًا يبدأ من طفل مُنحت له فرصة، ومن مؤسسة آمنت بأن العناية بالبدايات تصنع أثرًا أبعد من حدود اللحظة، ومن يد امتدت لتقول له: جرّب، تعلّم، ولا تخف من أن تكتشف ما يمكن أن تكونه.