ما أشد ألم الفراق بين الأتراب والرفاق، مهما تنوعت وشائج العلاقات والصلات، نسباً كانت أو جيرة، أو زمالة، أو صداقة، بل حتى وشيجة العلم، كما جاء في المأثور عن وكع بن الجراح وغيره (العلم رحم بين أهله، يدني النفوس، ويقرب القلوب).
والعلاقة بيني وبين أخي الشيخ الأستاذ الدكتور صالح بن عثمان الهليل ذات طابع أخوي وعلمي.
وفي ضوء هذه العلاقة سيكون حديثي عنه، ولذا لن أتحدث عن ميلاده ونشأته، ورحلته العلمية في الطلب، ولا سيما المراحل الأولى منه، بل أترك ذلك لمن عايشه عن كثب، من أقارب أو زملاء، الأمر الذي يجعلني اختصر نصف الطريق اضطراراً لا اختياراً.
لقد عرفت الشيخ صالحاً في كلية الشريعة بالرياض، بعد تخرجه عام 1397هـ - 1398هـ، أما قبل تخرجه فلم أتعرف عليه بعد، كوني أدرس مرحلة الماجستير في المعهد العالي للقضاء بوصفي دارساً، ليس لي علاقة بالكلية، نعم كنت في الكلية معيداً بضعة أشهر في عام 1396هـ، ثم انتقلت إلى المعهد العالي للقضاء، وبقيت بالمعهد حتى عام 1399هـ، وهي وقبلها سنتان تقريبا كان يدرس مرحلة البكالوريوس.
فلما عدت إلى الكلية محاضراً، في عام 1399هـ كان هو يدرس مرحلة الماجستير حينها. ويبدو أن المعرفة بدأت مع بداية العقد الأول من هذا القرن(الخامس عشر الهجري)، حيث اشتركنا في بعض أعمال الكلية في لجان متعددة تخص الطلاب، ولاسيما في فترة الامتحانات التي تمتد لعشرين يوماً، يستطيع الشخص فيها أن يختبر من حوله من العاملين، فتتآلف فيها قلوب وتختلف فيها قلوب(فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
وكان صاحبنا الشيخ صالح من أصحاب تلك القلوب الأليفة النقية التقية المتواضعة، مما جعله محبوبا لدى معارفه. وقد مال إليه قلبي منذ رأيته، فوجدته كما قيل:
أحب من الإخوان كل مواتي
وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يوافقني في كل أمر أريده
ويحفظني حيا وبعد مماتي
حيث:
أ - التواضع الجم.
ب - وحسن خلق.
ج - وسمت العلماء.
د - وسلامة القلب.
وبعد مزيد من المعرفة والصحبة رأيت خصالاً أكثر، لا تكاد تتوافر إلا في القلة من طلبة العلم وحملته، ومنها:
1 - محبة العلماء العاملين المصلحين، الباذلين مهجهم ووقتهم وجاههم في سبيل العلم وطلابه، والدعوة إلى الخير(مع الدعاء لهم والثناء عليهم).
2 - التفكير الواعي والناضج، والمعتدل.
3 - التمكن العلمي المكين، في جُل العلوم الشرعية، ولاسيما الفقه القائم على الدليل، والبعيد عن التعصب.
4 - الغيرة الدينية على محارم الله، وعلى الأوضاع الدينية المتخلفة في أوساط المجتمعات المسلمة، وعلى المآسي التي يواجهها ضعفة المسلمين من الأقليات المسلمة ونحوهم.
5 - متابعة قضايا المسلمين وشؤونهم في شتى بقاع الأرض، وفرحه بما يفرح به المؤمنون، من عز وتمكين لهم.
وهي خصال جميلة تشد الصاحب، والجليس. وما مثله إلا كحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة.
ومن هنا ولهذه المواصفات والصفات المميزة لشخصيته تخرج على يده طلاب لا يحصون، في المراحل الجامعية كلها. وأشرف على رسائل علمية (ماجستير، ودكتوراه )كثيرة، استفاد منه الباحثون سمتاً وأدباً وعلماً ومنهجاً، ما جعلهم يلهجون بالثناء عليه والدعاء له. وقد قابلت بعضاً من أولئك، ممن أشرف عليهم في جامعة نايف، فرأيت فيهم شجواً وأسى على فراقه. لهذا كان هدفه الأسمى إفادة الطلاب ونشر العلم، وليس إبراز الشخصية أو طلب الشهرة، معاذ الله!
ومن هنا اكتسبت شخصيته معنى وسطياً ومعتدلاً. ومدة وجودي في كلية الشريعة مسؤولاً، حيث كنت وكيلاً، ثم عميداً بالنيابة أكثر من سنة، ما مرّ بي قط موقف واحد يلام فيه الشيخ، إهمالاً كان أو تقصيراً أو تعنتاً، أو صدور رأي شاذ أو فطير. ومما عزز الصداقة بيننا، اشتراكنا معا في بعض المهمات الصعبة، التي ربما استغرقت أياماً طويلة. وأتوقف هنا عند بعضها.
1 - في موسم حج عام 1406هـ شاركنا معا في مهمة توعية الحجاج، وكانت أول مرة لكل منا، وكنا في غرفة واحدة، وقد رافقنا كل من المشايخ الدكاترة:مانع الجهني رحمه الله، وعبد الرحمن الزنيدي، وإبراهيم المغيرة. حيث كانت الغرفة كبيرة، وكانت أياما وليالي مباركة، وفي أرض مباركة، وفي مهمة مباركة، تجللها السكينة، وتغشاها الرحمة، وكان فيها من الأنس والمتعة والراحة ما يعجز القلم عن التعبير عنه.
واشتركت أنا والشيخ صالح في الرد على تساؤلات الحجاج عبر الهاتف، نحو ثلاث ساعات في كل يوم. وقد لاحظت دقة إجاباته وتحريرها مع الاختصار.وربما اختلفت معه في بعض المسائل، ولكن يتبين لي فيما بعد أن الصواب أو الرجحان كان معه، واستغرقت مدة إقامتنا في مكة حوالي أسبوعين.
2 - وفي عام 1408هـ اشتركت وإياه، والشيخ الأستاذ الدكتور عبدالله بن محمد الطريقي -رحمه الله- في تأليف ثلاثة مقررات في الفقه، للتعليم الثانوي في التعليم العام، وذلك ضمن برنامج العلوم الإسلامية والأدبية. فقام كل واحد منا بتأليف مقرر، ثم قمنا جميعاً بمراجعتها وتدقيقها وتحريرها.حتى استوت على سوقها. ويعلم الله أن كلا الرجلين قد بلغ الغاية، في الدقة والتحقيق والتوثيق، والأمانة العلمية، الأمر الذي جعلنا مطمئنين وبثقة عالية في نضج العمل العلمي، بالغ الأهمية.
3 - في عام 1410هـ تولى الشيخ صالح مسؤوليه وكالة الكلية في عهد عميدها معالي الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد-أحسن الله لنا وله الخاتمة- الذي لم يلبث طويلا حتى عين رئيساً عاما لهيئة الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فحل محله في عمادة الكلية شيخنا الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن زيد الرومي.
وفي الوقت نفسه كلفت أنا برئاسة قسم الثقافة الإسلامية، وبقيت فيها أربع سنوات.وخلال هذه المدة عملنا -أنا والشيخ صالح- معا في مجلس الكلية، من خلال الجلسات وما يدور فيها من آراء وتوصيات وقرارات، ومن خلال اللجان الفرعية في المجلس، المتعلقة بالقسم أو بالأقسام الأخرى، والحقيقة أن مجلس هذه الكلية له صبغة خاصة، سبرتها وخبرتها خلال عملي وكيلاً للكلية ست سنين، ثم عميداً بالنيابة أكثر من سنة ونصف. وتتمثل تلك الصبغة بالدقة والمتابعة والتحري البالغ. وبرغم هذا فقد لمست من أخي الهليل أنه أهل لهذه المسؤولية وأكبر منها، وكان يعمل بصمت، وخطوات ثابتة وهادئة لا تعرف الضجيج أو الجلبة.
ولم تتوقف علاقتنا عند هذه الأعمال الرسمية، بل توجت بالتزاور بيننا في منازلنا، ففي كل شهرين تقريبا تجري زيارة، مرة في بيته ومرة في بيتي. وكانت زيارات ودية لا كلفة فيها، وكان غالبها يتم بين المغرب والعشاء.
ويا لله!! كم في تلك الجلسات البسيطة، الأنيسة والمأنوسة، من الفوائد والعوائد.ففيها الدعابة، وفيها المباحثات العلمية، وفيها ذكر الأخبار والأحداث الجارية على الساحة.
وربما بث فيها كل منا إلى الآخر نجواه وهمومه، مما يخفف من ضغوط الحياة، كما أشار إلى ذلك الشاعر الحكيم:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة
يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وربما اتفقنا على زيارة بعض مشايخنا، أو زملائنا كمعالي الشيخ عبدالله الركبان، أو أخينا الأستاذ الدكتور فهد بن محمد السدحان وغيرهما. ومن جميل المصادفات، أن الشيخ الهليل والشيخ الركبان كانا يسكنان(حي العليا) ثم انتقلا إلى شمال الرياض، غربي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛حفظ الله شيخنا الركبان ورحم فقيدنا أبا أسامة.
وإجمالاً، فقد قضى فقيدنا جل حياته في مرابع العلم ومراتعه، تدريساً، وتأليفاً، وإشرافاً، ومناقشة، ومتحدثاً في كثير من المنابر، في المساجد والملتقيات، والندوات، والمؤتمرات، فكان يثري تلك اللقاءات والجلسات علما ورأياً، بكل تواضع.
لكنه في العامين الآخرين من حياته، بدأ يعاني من آلام صعبة عاقته عن متابعة تلك الرحلة العلمية الماتعة. وما زالت تلك الآلام تضغط عليه وبقوه، حتى كان بعض المقربين إليه يسأل الله له الخيرة، وأن يقضي له ما يختار، وذلك من شدة ما كان يلاقيه.
حتى وافاه أجله المحتوم يوم الثلاثاء 29 محرم لعام 1448هـ، وصلي عليه في جامع المهيني ودفن في مقبرة شمال الرياض.
ومن عجائب القدر، أن وفاته صادفت وفاة أختي (أم طارق)، وتمت الصلاة عليهما بعد صلاة العصر، هو في شمال الرياض، وأختي في جامع الراجحي، مما منعني من حضور جنازته وتشييعه والصلاة عليه. فرحمة الله وبركاته عليهما وضاعف أجورهما بما صبرا على بلائهما.
** **
- د. عبدالله بن إبراهيم بن علي الطريقي