هناك قراراتٌ تمنح أصحابها فرصةً ثانية؛ فإذا أخطأوا فيها أصلحتها الأيام، أو صححتها الخبرة، أو عالجتها الأنظمة. وهناك قرارات لا تمنح أحداً هذا الامتياز، لأنها لا تغيّر حدثاً واحداً، بل تغيّر الطريقة التي ستُصنع بها جميع الأحداث اللاحقة. واختيار رئيس الجامعة من هذا النوع الأخير.
إنه القرار الوحيد الذي يسبق جميع قرارات الرئيس، ولا يستطيع الرئيس نفسه أن يصححه إذا كان خاطئاً؛ لأنه وُلد بعده. ولذلك فإن الجامعات لا تبدأ رحلتها نحو التميز يوم تعتمد خطتها الإستراتيجية، ولا يوم تفتتح مختبراً جديداً، ولا حتى يوم تدخل تصنيفاً عالمياً مرموقاً. إنها تبدأ قبل ذلك كله، في اللحظة التي تُحسن فيها اختيار العقل الذي سيكتب كل تلك القرارات.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي..
لسنوات طويلة ظل النقاش يدور حول سؤال واحد: من هو أفضل مرشح لرئاسة الجامعة؟
وربما كان هذا هو السؤال الخطأ.
لأن السؤال الذي تطرحه الجامعات العظمى اليوم ليس: من هو أفضل مرشح؟ وإنما: هل نملك أفضل منظومة لاكتشاف أفضل مرشح؟
فالفرق بين الجامعات الرائدة وغيرها ليس أنها لا تخطئ في اختيار رؤسائها، وإنما أنها بنت نظاماً يجعل الخطأ في الاختيار نادراً، والكفاءة هي النتيجة الطبيعية.
لقد أمضت البشرية قرناً كاملاً وهي تقلل أخطاء الطيران، ولم يكن السر في العثور على أفضل الطيارين، بل في بناء أفضل نظام لاختيارهم، وتدريبهم، وتقييمهم، ومراجعة أدائهم. وكذلك فعلت في الطب، والطاقة النووية، واستكشاف الفضاء. أما في التعليم العالي، فما زالت كثير من المؤسسات العالمية تناقش الأشخاص أكثر مما تناقش النظام الذي أوصلهم.
وهنا تكمن المفارقة.
إننا حين نختلف حول رئيس جامعة، فإننا نناقش غالباً نتيجةً، بينما يبقى السبب الحقيقي بعيداً عن دائرة النقاش. فالقضية ليست أن المرشح كان جيداً أو أقل جودة، وإنما أن منظومة الاختيار نفسها قد تكون عاجزة عن اكتشاف القائد الذي تحتاج إليه الجامعة في مرحلتها المقبلة.
ولهذا فإن الجامعات لا تخطئ عندما تختار الشخص الخطأ فحسب..
إنها تخطئ قبل ذلك، عندما تستخدم منهجاً يسمح بوصول الشخص الخطأ.
ولعل أكثر الافتراضات رسوخاً في الثقافة الأكاديمية هو الاعتقاد بأن أفضل الباحثين هو الأجدر بقيادة الجامعة. وهي فكرة تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها تتهاوى أمام التجربة. فالتاريخ المؤسسي مليء بعلماء غيّروا مسار تخصصاتهم، لكنهم لم ينجحوا في قيادة مؤسساتهم، كما أنه مليء بقادة لم يكونوا الأكثر نشراً للأبحاث، غير أنهم بنوا جامعاتٍ أصبحت بيئاتٍ يُنتج فيها الجميع المعرفة.
فالعالم يضيف إلى المعرفة..
أما القائد فيبني مؤسسةً تنتج المعرفة.
والفرق بينهما ليس فرقاً في القيمة، بل في طبيعة المهمة.
ولذلك لم يعد السؤال في الجامعات العالمية: كم بحثاً نشر المرشح؟ بل أصبح: ما المؤسسة التي تركها بعد أن قادها؟ وهل أصبحت أكثر قدرة على التعلم، والابتكار، والتنافسية مما كانت عليه قبل وصوله؟
ولهذا تؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن جودة القيادة والحوكمة أصبحت من أهم العوامل المفسرة للفروق في أداء الجامعات، بينما ترى جمعية الجامعات الأوروبية (EUA) أن الجامعات الناجحة انتقلت من ثقافة اختيار الأشخاص إلى ثقافة تصميم أنظمة احترافية لاكتشاف القيادات.
أما اليونسكو فتربط بين القيادة المؤسسية الفاعلة وقدرة الجامعات على تحقيق التحول والاستجابة للتحديات المستقبلية. إنها جميعاً تتحدث عن فكرة واحدة: المؤسسات العظيمة لا تبنى بالصدفة، وإنما ببناء منظومة تجعل الوصول إلى القيادة قائماً على الكفاية لا على الانطباع.
وهنا يفرض الواقع السعودي سؤالاً أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ففي ظل رؤية المملكة 2030، لم تعد الجامعة مؤسسةً تُخرّج الطلاب فحسب، بل أصبحت شريكاً في بناء الاقتصاد المعرفي، ومركزاً لإنتاج الابتكار، ورافداً لتنمية رأس المال البشري، ومكوناً رئيساً في تنافسية الدولة. وإذا كانت وظيفة الجامعة قد تغيرت، فمن المنطقي أن تتغير معها فلسفة اختيار من يقودها.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى الإطار السعودي لاختيار رؤساء الجامعات الحكومية:
Saudi University Presidential Selection Framework (SUPSF)
ولا يقوم هذا الإطار على المفاضلة بين السير الذاتية، بل على الانتقال من قراءة التاريخ إلى اختبار المستقبل.
فالسيرة الذاتية وثيقةٌ تخبرنا بما أنجزه المرشح بالأمس، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا كيف سيتصرف عندما يواجه أزمةً تمس سمعة الجامعة، أو قراراً مالياً معقداً، أو تحولاً إستراتيجياً غير مسبوق. ولهذا فإن قلب هذا الإطار يتمثل في إنشاء المركز السعودي لتقييم القيادات الجامعية (Saudi Academic Leadership Assessment Center - SALAC)، وهو مركز مستقل يخضع فيه المرشحون لتقييم عملي يحاكي الواقع، لا لتقييم نظري يكتفي بسرد الماضي.
في هذا المركز لا يُسأل المرشح عما يعرفه فقط، بل يُوضع أمام جامعة افتراضية تواجه أزمة إعلامية، أو تحدياً مالياً، أو قراراً إستراتيجياً مصيرياً، ثم يُراقب كيف يفكر، وكيف يحلل، وكيف يوازن بين البدائل، وكيف يقود الفريق، وكيف يصنع القرار. كما يُطلب منه الدفاع عن رؤية تنفيذية لتحويل الجامعة خلال خمس سنوات، وتُقاس قدراته في القيادة، والحوكمة، والتفاوض، وإدارة التغيير، والذكاء الإستراتيجي، والنزاهة، والمرونة، باستخدام أدوات تقييم علمية معتمدة.
فالقيادة لا تُقاس بما يحفظه الإنسان.. بل بما يفعله عندما لا تكون هناك إجابة جاهزة.
إن الانتقال من تقييم الإنجازات إلى اختبار الكفايات القيادية هو التحول الحقيقي الذي تحتاج إليه منظومة اختيار رؤساء الجامعات. وعندها لن يكون السؤال: من هو الأشهر؟ ولا: من هو الأقدم؟ ولا حتى: من هو الأكثر إنتاجاً؟ بل: من هو الأقدر على قيادة جامعة لم تُخلق تحدياتها بعد؟
وهنا فقط يصبح اختيار رئيس الجامعة استثماراً وطنياً، لا إجراءً إدارياً.
لأن المباني يمكن تشييدها، والميزانيات يمكن زيادتها، والبرامج يمكن تطويرها، لكن الجامعة إذا أخطأت في اختيار قائدها فقد تخسر سنوات من الفرص لا تعوضها الموارد.
ولهذا، فإن أعظم إصلاح في التعليم العالي لا يبدأ داخل قاعات الدراسة، ولا في المعامل، ولا في الخطط الإستراتيجية..
إنه يبدأ قبل ذلك كله.
يبدأ من هندسة الطريقة التي نختار بها من سيقود الجامعة.
فالأمم لا تتقدم لأنها وجدت القائد العظيم مصادفةً، وإنما لأنها بنت نظاماً يجعل القيادة العظيمة نتيجةً طبيعية.
وعندما نصل إلى هذه المرحلة، لن يكون السؤال الذي يشغلنا: من سيكون رئيس الجامعة القادم؟
بل سيكون السؤال الذي يليق بوطنٍ يصنع المستقبل:
هل صممنا منظومة تجعل الأكفأ يصل.. حتى لو لم يكن أحد يعرف اسمه بالأمس؟
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري