«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ليست كل الأسئلة التاريخية رحلةً إلى الماضي بحثًا عن إجابة غائبة؛ فبعضها يعيد قراءة ما نعرفه عن المكان، ويفتح أبوابًا جديدة لفهم هويته. ومن هذا المنطلق، أعادت الندوة الثقافية «منفوحة تبحث عن اسمها القديم» طرح سؤال بدا في ظاهره بحثًا عن تسمية سبقت الاسم المعروف، لكنه انتهى إلى مفارقة أكثر عمقًا: ماذا لو كان الاسم الذي نبحث عمّا سبقه هو نفسه أقدم ما احتفظت به ذاكرة المكان؟
هذا السؤال شكّل جوهر الندوة التي نظمها مركز سرد الثقافي بالتعاون مع أمانة منطقة الرياض وديوانية آل حسين التاريخية، ضمن سلسلة «ذكريات من بلدة منفوحة»، حيث تحوّل النقاش من البحث عن اسم مفقود إلى قراءة معرفية في علاقة الاسم بالتاريخ، واللغة بالجغرافيا، والذاكرة بالهوية، في محاولة لفهم واحدة من أقدم بلدات اليمامة التي ما زال اسمها حاضرًا في قلب الرياض الحديثة.
الاسم الذي صمد أمام الزمن
أكدت الندوة أن المصادر التاريخية الموثقة لا تشير إلى اسم أقدم لمنفوحة، بل تنشغل بتفسير أصل التسمية نفسها. واستعرض المشاركون ما أورده ياقوت الحموي في «معجم البلدان» من أن جماعة من بني قيس بن ثعلبة نزلوا بجوار بني حنيفة في حجر اليمامة، فطلبوا موضعًا يقيمون فيه، فـ«نفح» لهم بنو حنيفة جزءًا من الأرض، فسُميت منفوحة.
ورغم تعدد الروايات التي تناولت تفسير أسماء المواضع، فإنها لا تقدم تسمية أخرى سبقت «منفوحة»، بل تفسر نشأة الاسم المتداول. ومن هنا برزت أهمية التمييز بين سؤالين مختلفين: ما الاسم القديم لمنفوحة؟ وكيف نشأ اسم منفوحة؟ فالأول يفترض وجود تسمية أسبق، بينما تقود المصادر التاريخية إلى الثاني، أي إلى تفسير الاسم الذي ظل متداولًا عبر العصور.
حين يوثق الشعر هوية المكان
ولم يقتصر حضور منفوحة على كتب الجغرافيين والمؤرخين، بل وثقها الشعر الجاهلي أيضًا، ولا سيما في شعر الأعشى ميمون بن قيس، الذي ارتبط بالمكان وقال:
«فركن مهراس إلى ماردٍ
فقاع منفوحة فالحائر»
ويمثل هذا البيت شاهدًا أدبيًا على قِدم تداول اسم منفوحة، ويؤكد أنها كانت معروفة في جغرافيا اليمامة قبل الإسلام، حين كانت القصيدة إحدى أهم وسائل حفظ أسماء الأمكنة وصونها في الذاكرة العربية. ومن ثم، فإن البحث عن اسم أقدم يصبح أكثر تعقيدًا، لأن الاسم المعروف نفسه يقف في طبقة تاريخية ضاربة في القدم.
من البحث عن الاسم إلى البحث في دلالاته
خلصت الندوة إلى أن السؤال الأجدر بالطرح ليس: ما الاسم القديم لمنفوحة؟، وإنما: ما التاريخ الذي يحمله اسم منفوحة؟
فالأسماء الجغرافية ليست مجرد علامات على الخرائط، بل أوعية تختزن تحولات المجتمعات، وتحتفظ بذاكرة الإنسان والمكان. وقد تتعدد الروايات التي تفسر نشأتها، لكن الاسم يبقى أكثر رسوخًا من تلك الروايات، وأكثر قدرة على عبور الزمن.
وفي حالة منفوحة، يبدو أن الاسم استطاع أن يتجاوز التحولات السياسية والاجتماعية والعمرانية التي شهدتها المنطقة، ليظل حاضرًا من اليمامة القديمة إلى الرياض المعاصرة، محتفظًا بوظيفته بوصفه شاهدًا على استمرارية المكان، لا مجرد دلالة جغرافية.
من قرية في اليمامة إلى حي في العاصمة
كانت منفوحة إحدى قرى اليمامة ووادي حنيفة، قبل أن تصبح جزءًا من الامتداد العمراني لمدينة الرياض. ومع تغير حدود المدينة ووظائفها، لم يختف الاسم، بل انتقل من قرية تاريخية إلى حي يحتفظ باسمه، ليجسد إحدى أبرز مفارقات المدن العريقة؛ فالعمران قد يتبدل، لكن الذاكرة كثيرًا ما تبقى محفوظة في الأسماء.
وفي هذا السياق، استعرضت الندوة عددًا من الدراسات التي وثقت تاريخ منفوحة، من أبرزها كتاب «منفوحة في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية» للباحث راشد بن محمد بن عساكر، الذي تناول تاريخ البلدة منذ ما قبل الإسلام، وموقعها، وأمراءها، وحياتها الاجتماعية والاقتصادية والزراعية، ومعالمها التاريخية.
الديوانية.. ذاكرة المجتمع
كما توقفت الندوة عند الدور الذي تؤديه ديوانية آل حسين التاريخية، بوصفها واحدة من أقدم المجالس الثقافية والاجتماعية في الرياض، وامتدادًا لذاكرة منفوحة الاجتماعية. فقد ظلت، على مدى أكثر من قرن، ملتقى للباحثين والمثقفين والمهتمين بتاريخ المنطقة، محافظةً على تقليد المجلس بوصفه فضاءً للحوار وتبادل المعرفة.
ومن هنا، لم تكن مشاركة الديوانية في تنظيم الندوة مجرد شراكة مؤسسية، بل تجسيدًا لالتقاء ذاكرة المكان بذاكرة المجتمع، في مشهد يعكس استمرار العلاقة بين التاريخ والناس.
قراءة تتجاوز حدود التاريخ
وشارك في الندوة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن محمد الفيصل، الأكاديمي والباحث المتخصص في الأدب والنقد وتحقيق التراث، فيما أدارها الدكتور أحمد بن حسن الشهري، الأكاديمي والكاتب والباحث في العلاقات الدولية. وأضفى هذا التنوع العلمي على الحوار أفقًا معرفيًا رحبًا، جمع بين التاريخ والأدب والجغرافيا والهوية، وأكد أن قراءة المكان لا يمكن أن تقتصر على زاوية واحدة، لأن المدن ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل نتاج تفاعل الإنسان واللغة والسلطة والذاكرة عبر الزمن.
حين يصبح الاسم وثيقة
انتهت الندوة إلى أن رحلة البحث عن الاسم القديم لمنفوحة ربما لا تقود إلى اكتشاف تسمية أخرى، بقدر ما تدعو إلى إعادة اكتشاف الاسم الذي بقي حاضرًا عبر قرون طويلة. فمن اليمامة القديمة، إلى منفوحة التي وثقها الأعشى في شعره، وصولًا إلى الحي الذي أصبح جزءًا من الرياض الحديثة، ظل الاسم شاهدًا على استمرارية المكان.
فبعض المدن تحفظ تاريخها في آثارها، وأخرى تحفظه في أسمائها. أما منفوحة، فقد جمعت الأمرين معًا؛ إذ لم يعد اسمها مجرد دلالة جغرافية، بل تحول إلى وثيقة تاريخية حية، تختصر سيرة مكان ظل حاضرًا في الذاكرة، حتى وإن تبدلت ملامحه وتعاقبت عليه الأزمنة.