«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في وقتٍ تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتتقدم تقنيات التشخيص والعلاج بوتيرة غير مسبوقة، جاءت ندوة «السرد في الطب» لتعيد الاعتبار إلى سؤالٍ إنساني ظل حاضرًا رغم هذا التقدم: هل تكفي المعرفة الطبية وحدها لعلاج الإنسان، أم أن العلاج الحقيقي يبدأ حين يُنصت الطبيب إلى الحكاية التي يحملها المريض؟
هذا السؤال شكّل محور الندوة التي نظمتها جمعية آداب وفنون السرد (نالا) بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بجدة، مساء الخميس، بمشاركة الكاتبة والطبيبة والفنانة التشكيلية الدكتورة هناء حجازي، والطبيب النفسي الاستشاري والروائي الدكتور إبراهيم الخضير، وأدارها الشاعر محمد آل صبيح، مدير فرع جمعية الثقافة والفنون بجدة، في أمسية تتجاوز استعراض العلاقة بين الأدب والطب، لتفتح نقاشًا معرفيًا حول الإنسان بوصفه نقطة الالتقاء بين العلم والإبداع.
الطب السردي... حين تصبح الحكاية جزءًا من العلاج
ناقشت الندوة مفهوم «الطب السردي» (Narrative Medicine)، الذي يقوم على الإصغاء إلى قصة المريض وتجربته النفسية والاجتماعية، بوصفها جزءًا أصيلًا من التشخيص والعلاج، لا مجرد معلومات تكميلية.
ففي هذا المنهج لا يعالج الطبيب نتائج التحاليل وصور الأشعة وحدها، بل يتعامل مع إنسان يعيش تجربة معقدة من الألم والخوف والرجاء والقلق؛ وهي أبعاد لا تستطيع الأجهزة الطبية قياسها، لكنها قد تكون مؤثرة في رحلة التعافي بقدر تأثير المؤشرات السريرية.
ولذلك أصبح الطب السردي خلال العقود الأخيرة أحد الاتجاهات المعتمدة في عدد من الجامعات والمراكز الطبية العالمية، انطلاقًا من قناعة بأن الطبيب المتميز لا يحتاج إلى المعرفة العلمية وحدها، بل إلى مهارة الإنصات، والقدرة على قراءة التجربة الإنسانية بكل أبعادها.
ولعل هذه الفلسفة تتجسد في المقولة الشهيرة للطبيب الكندي السير ويليام أوسلر: «ادرس الطب، ولكن ادرس الأدب أيضًا»، في إشارة إلى أن المعرفة الطبية تظل ناقصة ما لم تُستكمل بفهم الإنسان.
حين يلتقي الطب بالأدب
لم تكن العلاقة بين الأدب والطب وليدة العصر الحديث، بل نشأت منذ أن أدرك الإنسان أن المرض ليس حالة بيولوجية فحسب، وإنما تجربة إنسانية متكاملة، وأن الجسد لا ينفصل عن النفس.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يخرج من رحم الطب عدد من كبار الأدباء، يتقدمهم الروسي أنطون تشيخوف، والبريطاني آرثر كونان دويل، والطبيب والشاعر الأمريكي ويليام كارلوس ويليامز.
وفي العالم العربي، برزت أسماء مثل مصطفى محمود، ويوسف إدريس، وإبراهيم ناجي، وأحمد خالد توفيق، فيما قدمت الساحة السعودية نماذج لافتة، من بينها الدكتور عبدالله مناع والدكتور عصام خوقير، إلى جانب ضيفي الندوة الدكتورة هناء حجازي والدكتور إبراهيم الخضير، اللذين يجسدان امتدادًا معاصرًا لهذا التلاقي بين الطب والإبداع.
هناء حجازي... ثلاث لغات لقراءة الإنسان
جاءت مشاركة الدكتورة هناء حجازي لتقدم نموذجًا يجمع بين الطب والأدب والفن. فإلى جانب تخصصها في طب الأسرة، وتوليها رئاسة قسم الأمراض المزمنة بإدارة الرعاية الصحية الأولية في جدة، قدّمت منذ عام 1987 أعمالًا قصصية وروائية، من أبرزها «امرأتان» و«راحة» و«هل رأيتني؟.. كنت أمشي في الشارع»، إضافة إلى كتاب «مختلف.. طفل الأسبرجر مختلف لكن ليس أقل»، الحائز على جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب عام 2013.
وامتدت تجربتها إلى الفن التشكيلي، لتؤكد أن الطب والكتابة والرسم ليست مسارات متوازية، بل لغات مختلفة لقراءة الإنسان، والكشف عن أسئلته وهشاشته وأحلامه.
إبراهيم الخضير... حين تتحول العيادة إلى رواية
أما الدكتور إبراهيم الخضير، فيُعد أحد أبرز الأسماء السعودية التي جمعت بين الطب النفسي والثقافة. فقد تخرج في كلية الطب بجامعة الملك سعود، ونال دبلوم الطب النفسي من جامعة إدنبرة، وكتب لأكثر من عقدين صفحة أسبوعية في صحيفة «الرياض» أسهمت في نشر الوعي بالصحة النفسية وتقديمها بلغة علمية مبسطة.
وفي المجال الأدبي، أصدر روايات عدة، منها «عودة إلى الأيام الأولى» و«رحيل اليمامة» و«في انتظار مجيء الرجولة»، مستثمرًا خبرته السريرية في تقديم شخصيات روائية تنبض بأسئلة النفس الإنسانية، في تجربة تؤكد أن العيادة قد تكون بداية الحكاية، وأن الرواية امتداد لفهم الإنسان من الداخل.
«نالا»... السرد بوصفه جسرًا بين العلوم والإنسان
وتعكس هذه الندوة فلسفة جمعية آداب وفنون السرد (نالا) في توسيع مفهوم السرد، وعدم حصره في الرواية والقصة القصيرة، بل اعتباره أداة لفهم الإنسان والمجتمع، وجسرًا للحوار بين العلوم الإنسانية والتطبيقية.
ويعكس هذا التوجه أحد أبرز ملامح المشهد الثقافي السعودي، الذي يتجه نحو بناء معرفة أكثر تكاملًا، تكسر الحواجز التقليدية بين التخصصات، وتضع الإنسان في قلب العملية المعرفية، انسجامًا مع الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة.
الثقافة... شريك في العلاج
لم تكن ندوة «السرد في الطب» احتفاءً بالعلاقة بين الأدب والطب فحسب، بل جاءت لتؤكد أن التقدم العلمي، مهما بلغ، لا يغني عن البعد الإنساني. فكلما ازدادت قدرة الطب على قراءة الجسد، ازدادت الحاجة إلى من يُحسن قراءة الحكاية التي يحملها الإنسان في داخله.
وبين سماعة الطبيب وقلم الروائي، يظل الإنسان هو النص الأول الذي لا تكتمل قراءته بالأجهزة وحدها، بل بالإصغاء، والتعاطف، وفهم التجربة الإنسانية. ومن هنا، لم يعد السؤال: ما علاقة الأدب بالطب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يكتمل الطب إذا فقد القدرة على الإصغاء إلى الإنسان؟ وبين هذا السؤال وإجاباته، أكدت الندوة أن المعرفة، مهما اختلفت لغاتها، تلتقي دائمًا عند الإنسان.