لم يكن أكثر ما استوقفني بعد نشر مقال «اختيار رئيس الجامعة.. القرار الذي يصنع ألف قرار» حجم التفاعل الذي حظي به، ولا اتساع النقاش الذي أثاره بين الأكاديميين والمهتمين بالتعليم العالي، وإنما طبيعة الأسئلة التي وُلدت من ذلك النقاش. فقد انصرف كثير من المتحاورين عن الحديث حول الأشخاص وآليات الترشيح، واتجهوا إلى سؤال أكثر عمقًا: هل توجد اليوم أسس علمية راسخة لاختيار القيادات الجامعية، أم أننا ما زلنا نجتهد في أحد أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل الجامعات؟
هذا السؤال قادني إلى مراجعة الأدبيات العالمية، لا بحثًا عن أفضل طريقة لاختيار رئيس الجامعة، بل بحثًا عن سؤال أكبر: هل يوجد في العالم حقل معرفي مستقل يدرس «اختيار القيادات الجامعية» بوصفه تخصصًا علميًا قائمًا بذاته؟
وكانت النتيجة لافتة.
فالعالم يمتلك تراثًا علميًا ثريًا في القيادة الجامعية، وحوكمة الجامعات، وتطوير القيادات الأكاديمية، وتقييم الأداء المؤسسي. كما تختلف الممارسات الدولية في اختيار رؤساء الجامعات؛ ففي الولايات المتحدة وكندا تعتمد الجامعات غالبًا على مجالس الأمناء ولجان البحث، وتستعين كثير منها بشركات البحث التنفيذي. وفي أوروبا تتباين النماذج بين الانتخابات الأكاديمية، واللجان المستقلة، والتعيين الحكومي أو المختلط، بينما تتبنى دول شرق آسيا نماذج تجمع بين متطلبات الدولة واستقلالية الجامعة. إلا أن هذا التنوع في الممارسات لا يقابله وجود إطار علمي عالمي موحد يحدد المبادئ التي ينبغي أن تُبنى عليها أنظمة اختيار القيادات الجامعية، كما لا يوجد – بحسب ما تكشفه الأدبيات المتاحة – مركز بحثي عالمي متخصص يجعل دراسة اختيار القيادات الجامعية مجالًا علميًا مستقلًا ينتج المعرفة ويطور النظريات ويقيس أثرها.
وهنا تكمن الفجوة الحقيقية.
فنحن نعرف كثيرًا عن كيف يقود رئيس الجامعة، لكننا نعرف أقل بكثير عن كيف ينبغي أن نصمم نظامًا علميًا لاختياره.
وهناك فرق جوهري بين السؤالين.
فدراسة القيادة الجامعية تبحث في خصائص القائد الناجح، وأنماط القيادة، وأثرها في الأداء المؤسسي.
أما دراسة اختيار القيادة الجامعية فتبحث في تصميم المنظومة التي تجعل وصول القائد الأكفأ هو النتيجة الأكثر احتمالًا، من خلال الاعتماد على الأدلة، والقياس، والتحقق، والتقويم المستمر.
إنها لا تدرس القائد...
بل تدرس كيف نصنع القرار الذي يختار القائد.
ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لتأسيس حقل بحثي متعدد التخصصات يمكن أن يحمل اسم:
Evidence-Based University Leadership Selection (EBULS)
أو: University Leadership Selection Studies (ULSS)
وهو ليس علمًا يولد من فراغ، بل إطار معرفي يجمع ما تفرق بين علوم القيادة، والحوكمة، وعلم النفس التنظيمي، والقياس والتقويم، والإدارة الإستراتيجية، والسياسات العامة، والتعليم العالي، ليطور نظرية متكاملة لاختيار القيادات الجامعية على أسس قابلة للقياس والتحقق والتطوير.
وإذا كان هذا هو الإطار المعرفي، فإن الخطوة الطبيعية التالية تتمثل في إنشاء المركز السعودي لبحوث اختيار القيادات الجامعية المبنية على الأدلة، ليكون أول مركز وطني يتخصص في هذا المجال، ليس بوصفه جهة تنفيذية تختار رؤساء الجامعات، بل بوصفه بيت خبرة ومنصة بحثية لإنتاج المعرفة.
وتتمثل رسالته في بناء قاعدة علمية وطنية من خلال خمسة مسارات مترابطة:
أولًا: إنتاج المعرفة عبر إجراء البحوث المقارنة وتحليل النماذج العالمية في اختيار القيادات الجامعية.
ثانيًا: تطوير النظرية وبناء نموذج علمي يحدد المبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها أنظمة الاختيار، بعيدًا عن الاجتهادات غير الممنهجة.
ثالثًا: بناء نماذج الكفايات وأدوات القياس، وتصميم اختبارات ومحاكاة ومراكز تقييم، والتحقق من صدقها وثباتها وفق المعايير العلمية.
رابعًا: تصميم الإطار السعودي المبني على الأدلة لاختيار رؤساء الجامعات، بحيث يستفيد من أفضل الممارسات العالمية، مع مراعاة الخصوصية النظامية والوطنية للمملكة، وأن رئاسة الجامعات الحكومية مسؤولية يتولاها كفاءات وطنية سعودية.
خامسًا: بناء البرنامج الوطني للدراسات الطولية في القيادة الجامعية، والذي يتابع أداء رؤساء الجامعات منذ مرحلة الترشيح وحتى سنوات ما بعد التعيين، لتحليل العلاقة بين أدوات الاختيار والكفايات المقاسة من جهة، والأداء المؤسسي الفعلي من جهة أخرى، بما يمكّن من تطوير نماذج اختيار قيادية قائمة على الأدلة الوطنية، لا على الافتراضات أو الانطباعات.
وهذا، في تقديري، هو العنصر الذي قد يمنح المشروع قيمته العلمية؛ لأن بناء أي نظرية لا يكتمل إلا إذا كانت قابلة للاختبار والمراجعة والتحسين المستمر.
إن المملكة العربية السعودية، وهي تعيد رسم مستقبل تعليمها العالي في ضوء رؤية 2030، تمتلك فرصة تاريخية لا لتطبيق أفضل الممارسات العالمية فحسب، بل للإسهام في إنتاج معرفة جديدة تضيف إلى الفكر العالمي في حوكمة التعليم العالي. فالدول الرائدة لا تُقاس فقط بما تستورده من أفكار، بل بما تنتجه من نماذج ونظريات تستفيد منها الدول الأخرى.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم لم يعد:
من هو أفضل رئيس جامعة؟
بل أصبح:
كيف نبني نظرية علمية تجعل اختيار أفضل رئيس جامعة نتيجةً لمنظومة قائمة على الأدلة، لا ثمرةً لاجتهادات متفرقة؟
فعندما ننجح في الإجابة عن هذا السؤال، لن نكون قد طورنا إجراءات اختيار القيادات الجامعية فحسب، بل سنكون قد أسهمنا في تأسيس حقل معرفي جديد، وربما وضعنا لبنة سعودية في بناء علم عالمي يحتاج إليه التعليم العالي أكثر من أي وقت مضى.
***
- خالد المطيري